رَأْيُ الْقُدَمَاءِ أَمْ الْحَرَكَةُ الثَّانِيَةُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُتَأَخِّرِينَ .
قُلْت: الظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ إذْ بِهِ حَصَلَ الْمَطْلُوبُ لَا بِالْحَرَكَةِ الثَّانِيَةِ وَحْدَهَا ، وَنَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ السَّيِّدِ أَنَّهُ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ لَمْ يَجْعَلْهُ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَأَنَّهُ نَفْسُهُ اعْتَرَفَ فِي مَوَاضِعَ أَيْضًا بِحُصُولِ الْمَطْلُوبِ بِالْحَرَكَةِ الثَّانِيَةِ وَحْدَهَا وَقَالَ النَّاصِرُ اللَّقَانِيِّ: إنْ أُرِيدَ بِالْمَعْقُولَاتِ مَا يُدْرِكُهُ الْعَقْلُ بِذَاتِهِ بِلَا وَاسِطَةٍ ، خَرَجَ عَنْهُ الْوَهْمِيَّاتُ وَالْخَيَالِيَّاتُ ، فَتَخْرُجُ عَنْ حَدِّ النَّظَرِ مَعَ أَنَّ مِثْلَ قَوْلِنَا: هَذَا عَدُوُّ زَيْدٍ وَكُلُّ عَدُوٍّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى مَنْ عَادَاهُ ، فَهَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى زَيْدٍ نَظَرٌ بِلَا شُبْهَةٍ ، وَهَكَذَا فِي الْخَيَالِيَّاتِ ، وَإِنْ أُرِيدَ مَا يُدْرِكُهُ الْعَقْلُ بِذَاتِهِ وَبِوَاسِطَةٍ فَيَشْمَلُ الْوَهْمِيَّاتِ وَالْخَيَالِيَّاتِ ، فَقَوْلُ الْمَحَلِّيِّ بِخِلَافِ حَرَكَتِهَا فِي الْمَحْسُوسَاتِ فَيُسَمَّى تَخْيِيلًا لَا فِكْرًا مُشْكِلٌ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَحَلِّيَّ وَغَيْرَهُ مِمَّنْ عَبَّرَ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ ذَاهِبٌ مَعَ الْأَقْدَمِينَ الْغَافِلِينَ بِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُدْرِكُ الْمَحْسُوسَاتِ أَصْلًا وَأَنَّهَا تُدْرِكُهَا الْحَوَاسُّ .
وَأَمَّا عَلَى طَرِيقِ الْمُتَأَخِّرِينَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعَقْلَ يُدْرِكُ الْمُحَسَّاتِ أَيْضًا لَكِنْ بِوَاسِطَةِ الْحَوَاسِّ فَيَنْبَغِي أَنْ تُسَمَّى حَرَكَتُهَا فِي الْمَحْسُوسَاتِ فِكْرًا أَيْضًا وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَنْبَغِي زِيَادَةُ الْقَصْدِ فِي قَوْلِ الْمَحَلِّيِّ حَرَكَةُ النَّفْسِ فِي الْمَعْقُولَاتِ لَا تَخْرُجُ حَرَكَتُهَا فِيمَا يَتَوَارَدُ مِنْ الْمَعْقُولَاتِ بِلَا اخْتِيَارٍ كَمَا فِي الْمَنَامِ ، فَإِنَّهَا لَا تُسَمَّى فِكْرًا ، وَالظَّاهِرُ إبْقَاءُ النَّفْسِ عَلَى حَقِيقَتِهَا لَا حَمْلُهُمَا عَلَى الْعَقْلِ كَمَا زَعَمَ لِيُوَافِقَ مَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمُدْرَكَ حَقِيقَةُ النَّفْسِ ، وَأَمَّا الْعَقْلُ وَسَائِرُ الْقُوَى فَآلَاتٌ فِي إدْرَاكِهَا ،