وَصَفَهُمْ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: { إنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } .
فَهَذِهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ: طَرِيقُ الْأَمْنِ وَالْجُرْأَةِ ، وَطَرِيقُ الْإِيَاسِ وَالْقُنُوطِ ، وَطَرِيقُ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ مُمْتَدٌّ بَيْنَهُمَا ، فَإِنْ مِلْتَ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا بِقَدَمٍ وَقَعْتَ فِي الْهَلَاكِ وَهَلَكْتَ مَعَ الْهَالِكِينَ ، فَلَا تَنْظُرْ إلَى سَعَةِ الرَّحْمَةِ فَقَطْ فَتَأْمَنْ ، وَلَا إلَى عِظَمِ الْهَيْبَةِ وَالْمُنَاقَشَةِ فَتَقْنَطْ ، بَلْ خُذْ مِنْهُمَا مَعًا فَتَرْكَبْ طَرِيقَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا } الْآيَةَ وَلَا يَتَأَتَّى سُلُوكُ هَذِهِ الطَّرِيقِ بِاجْتِنَابِ الْمَحْبُوبِ عِنْدَ النَّفْسِ وَاكْتِسَابِ الطَّاعَةِ الثَّقِيلَةِ إلَّا بِالتَّحَفُّظِ بِثَلَاثَةِ أُصُولٍ: الْأَوَّلُ: ذِكْرُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي التَّرْهِيبِ وَالتَّرْغِيبِ ، وَالثَّانِي: ذِكْرُ أَفْعَالِهِ فِي الْعَفْوِ وَالْأَخْذِ ، وَالثَّالِثُ: ذِكْرُ جَزَائِهِ فِي الْمَعَادِ مِنْ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ .
فَالتَّرْهِيبُ وَالتَّرْغِيبُ كَقَوْلِهِ: { يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ } { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا } الْآيَةَ ، { أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى } { لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ } ، { مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ } - { وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ } - { وَقَدِمْنَا إلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ } الْآيَةَ ، وقَوْله تَعَالَى: { لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ } الْآيَةَ ، { وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا اللَّهُ } { غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ } - { وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ } - { كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } - الْآيَةَ - { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ } - { وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا } وَقَدْ يَجْمَعُ بَيْنَ التَّرْهِيبِ وَالتَّرْغِيبِ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ تَخْوِيفًا فِي تَأْمِينٍ وَتَحْرِيكًا فِي تَسْكِينٍ ، فَتَكُونُ الطَّرِيقُ عَدْلًا