عَمَلًا فَهُوَ كَعَبْدٍ أَرْسَلَهُ سَيِّدُهُ إلَى جَمَاعَةٍ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ شَأْنُهُ يُبَادِرُهَا وَيَرْجِعُ ، وَدَخَلَ رَجُلٌ عَلَى أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا ذَرٍّ أَيْنَ مَتَاعُكُمْ ؟ فَقَالَ: إنَّ لَنَا بَيْتًا نُوَجِّهُ إلَيْهِ مَتَاعَنَا ، قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ مَتَاعٍ مَا دُمْتَ هَاهُنَا قَالَ: نَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَ الْمَنْزِلِ لَا يَدَعُنَا فِيهِ .
وَمِمَّا يُعِينُ عَلَى تَرْكِ الدُّنْيَا قِصَرُ الْأَمَلِ فِيهَا وَلِذَلِكَ قِيلَ: قِصَرُ الْأَمَلِ فِي الدُّنْيَا أَصْلُ كُلِّ خَيْرٍ كَمَا أَنَّ تَطْوِيلَهُ أَصْلُ كُلِّ شَرٍّ ، مَنْ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَعِيشَ إلَى غَدٍ لَا يَسْعَى لِمَئُونَةِ غَدٍ وَلَا يَهْتَمُّ بِهَا فَيَصِيرُ حُرًّا مِنْ رِقِّ الْحِرْصِ وَالطَّمَعِ وَالذُّلِّ وَخِدْمَةِ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا ، وَيَكْفِيهِ أَقَلُّ شَيْءٍ ، وَمَنْ قَدَرَ أَنَّهُ يَعِيشُ عِشْرِينَ سَنَةً مَثَلًا فَإِنَّهُ يَصِيرُ عَبْدًا لِهَذِهِ الْأَوْصَافِ الذَّمِيمَةِ وَلَا يَكْفِيهِ شَيْءٌ مِنْ الدُّنْيَا وَلَا يَمْلَأُ بَطْنَهُ أَوْ عَيْنَهُ إلَّا التُّرَابُ .
قَالَ الشَّاعِرُ: تَقَنَّعْ بِمَا يَكْفِيكَ وَاسْتَعْمِلْ الرِّضَى فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصْبِحُ أَمْ تُمْسِي فَلَيْسَ الْغِنَى مِنْ كَثْرَةِ الْمَالِ إنَّمَا يَكُونُ الْغِنَى وَالْفَقْرُ مِنْ قِبَلِ النَّفْسِ وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ وَالْعُكْبَرِيُّ أَنَّهُ كَانَ فِي بِلَادِ الرُّومِ مِمَّا يَلِي الْأَنْدَلُسَ رَجُلٌ نَصْرَانِيٌّ وَقَدْ بَلَغَ مِنْ التَّخَلِّي عَنْ الدُّنْيَا وَاعْتِزَالِ الْخَلْقِ وَلُزُومِ الْجِبَالِ وَالسِّيَاحَةِ فِي الْأَرْضِ الْغَايَةَ الْقُصْوَى ، فَوَرَدَ عَلَى الْمُسْتَعِينِ ابْنِ هُودٍ فَأَكْرَمَهُ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ وَجَعَلَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ ذَخَائِرَ مُلْكِهِ وَخَزَائِنَ أَمْوَالِهِ وَمَا حَوَتْهُ مِنْ الْحَمْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ وَأَحْجَارِ الْيَوَاقِيتِ وَأَمْثَالِهَا وَالْجَوَارِي وَالْحَشَمِ وَالسِّلَاحِ ، فَأَقَامَ فِي ذَلِكَ أَيَّامًا وَلَمَّا انْقَضَى قَالَ لَهُ: كَيْفَ رَأَيْتَ مُلْكِي ؟ قَالَ: رَأَيْتُ مُلْكًا عَظِيمًا وَلَكِنْ يَعُوزُكَ فِيهِ خَصْلَةٌ إنْ أَنْتَ قَدَرْتَ عَلَيْهَا فَقَدْ انْتَظَمَ مُلْكُكَ ،