فِي مَعْنَى عَدَمِ النَّقْصِ أَنَّهُ عَائِدٌ إلَى الدُّنْيَا بِالْبَرَكَةِ فِيهِ وَدَفْعِ الْمُفْسِدَاتِ عَنْهُ .
وَقِيلَ: إلَى الْآخِرَةِ بِالثَّوَابِ وَالتَّضْعِيفِ ، وَحُكِيَ الْقَوْلَانِ أَيْضًا فِي زِيَادَةِ الْعِزِّ الْعَفْوِ وَالرِّفْعَةِ بِالتَّوَاضُعِ فِي الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: { ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ ، مَا نَقَصَ مَالٌ قَطُّ مِنْ صَدَقَةٍ فَتَصَدَّقُوا ، وَلَا عَفَا رَجُلٌ عَنْ مَظْلِمَةٍ ظُلِمَهَا إلَّا زَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا عِزًّا فَاعْفُوا يَزِدْكُمْ اللَّهُ عِزًّا ، وَلَا فَتَحَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ مَسْأَلَةٍ فَسَأَلَ النَّاسَ إلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ } وَفِي رِوَايَةٍ: { مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلَّا عَزَّ وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ } وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِزِيَادَةِ الْعِزِّ وَالرِّفْعَةِ وَالزِّيَادَةِ فِي الْمَالِ الزِّيَادَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، فَمَنْ عُرِفَ بِالصَّفْحِ وَالْعَفْوِ عَظُمَ فِي الْقُلُوبِ ، وَهَذَا مَا لَهُ فِي الدُّنْيَا وَيَكُونُ ثَوَابُهُ وَعِزُّهُ فِي الْآخِرَةِ أَكْثَرُ ، وَالتَّوَاضُعُ لِلَّهِ عِبَادَتُهُ وَدُعَاؤُهُ وَالْإِخْلَاصُ لَهُ وَهُوَ التَّوَاضُعُ الْوَاجِبُ ، وَكَذَا يَجِبُ التَّوَاضُعُ لِلرَّسُولِ وَالْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ وَالْعَالِمِ وَالْأَبَوَيْنِ وَذَلِكَ كُلُّهُ وَاجِبٌ مَحْمُودٌ تُرْفَعُ بِهِ دَرَجَةُ صَاحِبِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَأَمَّا التَّوَاضُعُ لِسَائِرِ الْخَلْقِ فَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُ مَحْمُودٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ إذَا قَصَدَ وَجْهَ اللَّهِ وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ رَفَعَ اللَّهُ قَدْرَهُ فِي الْقُلُوبِ وَطَيَّبَ ذِكْرَهُ فِي الْأَفْوَاهِ وَرَفَعَ دَرَجَتَهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَأَمَّا التَّوَاضُعُ لِأَهْلِ الدُّنْيَا وَلِأَهْلِ الظُّلْمِ فَذَلِكَ هُوَ الَّذِي لَا عِزَّ مَعَهُ وَالْخِسَّةُ الَّتِي لَا رِفْعَةَ مَعَهَا بَلْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا ذُلُّ الْآخِرَةِ وَكُلُّ صَفْقَةٍ خَاسِرَةٍ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ .
وَقِيلَ: مَا شَيْءٌ أَحْسَنُ مِنْ تَوَاضُعِ الْأَغْنِيَاءِ لِلْفُقَرَاءِ ،