لَمْ يُجَاوِزْهُ أَحَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ بِالْقِيَاسِ فِيهِ وَلَا الرَّغْبَةِ عَنْهُ ، لِأَنَّهُ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُخَالِفَ فِيهِ ا هـ ، يُتَّجَه فِيهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ ، بَلْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِمَا وَرَدَ مِنْ طَرِيقِ الْعُدُولِ وَإِنْ كَانُوا آحَادًا إلَّا أَنَّ رِوَايَةَ الْآحَادِ تُوجِبُ الْعَمَلَ وَإِنْ كَانَتْ لَا تُوجِبُ الْعِلْمَ ، فَالْوَاجِبُ عَلَى ابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَبُولُ مَا وَرَدَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، لِأَنَّ مَنْ حَفِظَ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ ، وَلَا يُعَارِضُهُمْ بِالْقِيَاسِ لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لِلنَّظَرِ مَعَ وُجُودِ الْأَثَرِ ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْمُوَافِقُونَ وَالْمُخَالِفُونَ ، فَالْوَاجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ ، وَيُجَابُ عِنْدِي بِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ إلَّا بِالْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ ، بَلْ أَرَادَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَقْتَصِرْ حِفْظُهُمْ عَلَيْهِ ، بَلْ لَهُمْ حَدِيثٌ آخَرُ يُقَيِّدُهُ فَيُعْمَلُ بِقَيْدِهِ كَمَا تَقَدَّمَتْ رِوَايَةُ: { مَنْ عُمِّرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَإِنَّهَا لِلَّذِي يُعْطَاهَا أَبَدًا } فَقَيَّدَهَا بِقَوْلِ الْوَاهِبِ وَلِعَقِبِهِ ؛ فَالْأَحَادِيثُ الَّتِي لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا الْعَقِبُ تُقَيَّدُ بِهَذَا فَتُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْوَاهِبَ ذَكَرَ الْعَقِبَ ، قُلْت: لَكِنَّ تَأْوِيلَ الْكَثِيرِ غَيْرُ حَسَنٍ وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا الْعَقِبُ كَثِيرَةٌ وَاَلَّذِي ذُكِرَ فِيهَا قَلِيلٌ فَيُؤَوَّلُ هَذَا الْحَدِيثُ بِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ كَمَا مَرَّ بَعْد قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلِوَارِثِهِ مِنْ بَعْدِهِ ، وَانْظُرْ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَهُوَ لَهُ وَلِوَارِثِهِ فَكَيْفَ تُجْعَلُ لِلْوَارِثِ مُطْلَقًا لَوْ كَانَتْ مُقَيَّدَةً بِالْعَقِبِ وَالْعَقِبُ الْوَلَدُ فِي الظَّاهِرِ الْمُتَبَادِرِ ، وَتَفْسِيرُهُ بِمُطْلَقِ مَنْ خَلَفَ مِنْ الْوَرَثَةِ خِلَافُ الظَّاهِرِ .
وَفِي"الْمُدَوَّنَةِ":