وقد ثبت في السُّنة أنه صلى الله عليه وسلم ( كان يقطع قراءته آية آية ، وأنها كانت مفسرة حرفاً حرفاً ، وأنه كان يقف على رؤوس الآي ) .
واستدل بالآية على أن الترتيل والتدبُّر ، مع قلة القراءة أفضل من سرعة القراءة مع كثرتها ، لأن المقصود من القرآن فهمه وتدبُّره ، والفقه فيه ، والعمل به .
قال ابن مسعود: لا تهذُّوا القرآن هذَّ الشعر ، ولا تنثروه نثر الدقل ، قفوا عند عجائبه ، وحركوا به القلوب ، ولا يكن هَمّ أحدكم آخر السورة .
{إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} أي: رصيناً ، لرزانة لفظه ، ومتانة معناه ، ورجحانه فيهما على ما عداه .
ولما كان الراجح من شأنه ذلك ، تجوّز بالثقيل عنه . أو ثقيلاً على المتأمّل فيه ، لافتقاره إلى مزيد تصفيه للسر ، وتجريد للنظر . أو ثقيلاً تلقّيه ، لقول عائشة رضي الله عنها: رأيته صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد ، فيفصم عنه ، ( وإن جبينه ليتفصد عرقاً ) . وعلى كل فالجملة معللة للأمر بالترتيل ، وأن ثقله مما يستدعيه .
{إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} أي: نشأته وطبيعته خلقه ومظهره {هِيَ أَشَدُّ وَطْءاً} أي: موافقة لما يراد منها من جمع الهم ، وهدوء البال .
{وَأَقْوَمُ قِيلاً} أي: أشدّ مقالاً وأصوبه .
قال ابن قتيبة: لأن الليل تهدأ فيه الأصوات ، وتنقطع فيه الحركات ، ويخلص القول ، ولا يكون دون تسمّعه وتفهمه حائل .
ونقل السيوطي عن الجاحظ قال: ناشئة الليل هي المعاني المستنبطة من القرآن بالليل ، أشد وطأً أبين أثراً . وأقوم قيلاً ، أصحُّ مما تخرجه الأفكار بالنهار ، لخلوّ السمع والبصر عن الاشتغال .
{إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً} أي: تقلباً في مهماتك ، واشتغالاً بها ، فلذا أمرت بقيام الليل .