والمعنى: أي إنا سننزل عليك القرآن، وفيه الأمور الشاقة عليك وعلى أتباعك من أوامر ونواه، فلا تبال بهذه المشقّة، وامْرُنْ عليها لما بعدها. وقال الحسن بن الفضل: ثقيلًا لا يحمله إلا قلب مؤيَّدٌ بالتوفيق، ونفس مزينة بالتوحيد. وقال ابن زيد: هو والله ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا يثقل في الميزان يوم القيامة. وفي"فتح الرحمن": وصف القرآن بالثقل لثقله بنزول الوحي على نبيه حتى كان يعرف في اليوم الثاني أو لثقل العمل بما فيه أو لثقله في الميزان أو لثقله على المنافقين.
وقد يكون المراد أنّه ثقيل في الوحي، فقد جاء في حديث البخاري ومسلم:"إنّ الوحي كان يأتيه - صلى الله عليه وسلم - أحيانًا في مثل صلصلة الجرس، وهذا أشدّه عليه، فيفصم عنه - يفارقه - وقد وعى ما قال، وأحيانًا يتمثّل له الملك رجلًا، فيكلّمه فيعي ما يقول، وان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإنّ جبينه ليتفصّد عرقًا"يجري عرقه كما يجري الدم من الفاصد.
6 -ثم عقل الأمر بقيام الليل فقال: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} ؛ أي: إنَّ قيام الليل وعبادته التي تنشأ، وتحدث فيه على أنّ الناشئة مصدر من نشأ بمعنى: نهض وقام كالعافية بمعنى العفو. وهذا وافق لسان الحبشة، حيث يقولون: نشأ إذا قام. {أَشَدُّ} ؛ أي: أشقّ {وَطْئًا} ؛ أي: تعبًا وضررًا؛ أي: أثقل وأغلظ على المصلّي من صلاة النهار، فيكون أفضل وأكثر أجرًا، فإن كل واحد من قيام الليل ومن العبادة التي تحدث فيه ثقيلان على العابد من قيام النهار والعبادة فيه.
ويحتمل أن يكون المراد بناشئة الليل ساعاته، فإنها تحدث واحدة بعد واحدة، أي: ساعات الليل الناشئة؛ أي: الحادثة شيئًا فشيئًا، فتكون الناشئة صفة ساعات الليل أشدّ وطئًا؛ أي: بملاحظة القيام منها؛ أي: إن ساعات الليل أشد مواطأة؛ أي: أكثر موافقة بين السمع والبصر والقلب واللسان لانقطاع الحركات والأصوات فيها، وأثبت للعبادة؛ لأن الليل وقت الفراغ عن الاشتغال بالمعاش وعبادته تدوم ولا تنقطع. وقال الكلبيّ: أشدّ نشاطًا وأكثر فراغًا.