وفى حديث آخر:"بدأَ الإِسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأَ فطوبى للغرباءِ."
قيل ومَن الغُرَباءُ يا رسول الله؟ قال: الذين يُحبُون سنَّتى ويعلِّمُونَهَا النَّاسَ"."
فهؤلاءِ هم الغرباءُ الممدوحون المغبوطون.
ولقلّتهم فِي الناس جدّا سُمّوا غرباءَ.
فإِنّ أَكثر النّاس على غير هذه الصّفات.
فأَهل الإِسلام فِي الناس غرباء ، وأَهْلُ العِلْم فِي أَهل الإِسلام غرباء ، وأَهل السنّة الذين تميّزوا بها من الأَهواء والبدع فيهم غرباءُ ، والداعون الصّابرون على أذى المخالِفين لهم هؤلاءِ أَشدّ غربة ، ولكن هؤلاءِ هم أَهل الله فلا غربة عليهم ، وإِنما غربتهم بين الأَكثرين الذين قال الله فيهم: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} فأُولئك هم الغرباءُ من الله ورسوله ودينه ، وغربتهم هي الغُرْبة الموحِشة.
*فليس غريبا من تناءَى دياره * ولكنّ من تَنْأَين عنه غريب*
والغربة ثلاثة أَنواع:
غربة أَهلِ الله وأَهلِ سنّة رسوله بين هذا الخَلْق ، وهي الغربة الّتى مدح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَهلَها ، وأَخبر عن الدّين الذي جاءَ به أَنه بدأَ غريباً وأَنه سيعود غريباً ، وأَن أهله يصيرون غُرباءَ ، وهذه الغُرْبة قد تكون فِي مكان دون مكان ، ووقت دون وقت ، وبين قوم دون غيرهم ، ولكن أَهل هذه الغربة هم أَهل الله حَقّا لم يأَوُوا إِلى غير الله ، ولم يأْنسُوا إِلى غير رسوله ، وهم الذين فارقوا النّاس أَحوجَ ما كانوا إِليهم.
فهذه الغربة لا وحشة على صاحبها: بل هو آنس ما يكون إذا استوحش النّاس ، وأَشدّ ما يكون وحشة إِذا استأْنسوا ، تولاَّه الله ورسوله والذين آمنوا ، وإِن عاداه أَكثر النّاس وجَفَوه.
ومن هؤلاءِ الغرباء مَن ذكرهم أَنَس فِي حديثه عن النبيّ صلًّى الله عليه وسلّم:"أَلاَ أَخبركم عن ملوك أَهل الجنّة؟ قالوا: بلى يا رسول الله."