وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ قَالَ مِنْ جَهَلَةِ الْقَوْمِ: إِنَّ تَوْكِيلَ الرَّبِّ فِيهِ جَسَارَةٌ عَلَى الْبَارِّي؛ لِأَنَّ التَّوَكُّلَ يَقْتَضِي إِقَامَةَ الْوَكِيلِ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ. وَذَلِكَ عَيْنُ الْجَسَارَةِ.
قَالَ: وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ ذَلِكَ وَنَدَبَ إِلَيْهِ: لَمَا جَازَ لِلْعَبْدِ تَعَاطِيهِ.
وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْجَهْلِ. فَإِنَّ اتِّخَاذَهُ وَكِيلًا هُوَ مَحْضُ الْعُبُودِيَّةِ، وَخَالِصُ التَّوْحِيدِ، إِذَا قَامَ بِهِ صَاحِبُهُ حَقِيقَةً.
وَلِلَّهِ دَرُّ سَيِّدِ الْقَوْمِ، وَشَيْخِ الطَّائِفَةِ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيِّ؛ إِذْ يَقُولُ: الْعِلْمُ كُلُّهُ بَابٌ مِنَ التَّعَبُّدِ. وَالتَّعَبُّدُ كُلُّهُ بَابٌ مِنَ الْوَرَعِ. وَالْوَرَعُ كُلُّهُ بَابٌ مِنَ الزُّهْدِ، وَالزُّهْدُ كُلُّهُ بَابٌ مِنَ التَّوَكُّلِ.
فَالَّذِي نَذْهَبُ إِلَيْهِ: أَنَّ التَّوَكُّلَ أَوْسَعُ مِنَ التَّفْوِيضِ، وَأَعْلَى وَأَرْفَعُ.
(فصل: المشرق والمغرب بين الجمع والتثنية والإفراد)
ثم تأمل ورودهما مفردين في سورة المزمل لما تقدمهما ذكر الليل والنهار، فأمر رسوله علي الصلاة والسلام بقيام الليل، ثم أخبره أن له في النهار سبحا طويلا، فلما تقدم ذكر الليل وما أمر به فيه، وذكر النهار وما يكون منه فيه عقب ذلك بذكر المشرق والمغرب اللذين هما مظهر الليل والنهار فكان ورودهما مفردين في هذا السياق أحسن من التثنية والجمع، لأن ظهور الليل والنهار هما واحد فالنهار أبدا يظهر من المشرق، والليل أبدا يظهر من المغرب.
وقال في (التبيان في أقسام القرآن)
وأما في سورة المزمل فذكر المشرق والمغرب بلفظ الإفراد لما كان المقصود ذكر ربوبيته ووحدانيته، وكما أنه تفرد بربوبية المشرق والمغرب وحده، فكذلك يحب أن يتفرد بالربوبية والتوكل عليه وحده، فليس للمشرق والمغرب رب سواه.
فكذلك ينبغي أن لا يتخذ إله ولا وكيل سواه. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...