وهذا قول ابن الأعرابي قال:"إذا نمت من أول الليل نومة ثم قمت فتلك النشأة"
ومنه ناشئة الليل.
فعلى قول الأولين ناشئة الليل بمعنى من إضافة نوع إلى جنسه. أي ناشئة منه، وعلى قول هؤلاء إضافة بمعنى في أي طاعة ناشئة فيه.
والمقصود أن الإنشاء ابتداء سواء تقدمه مثله كالنشأة الثانية، أو لم يتقدمه كالنشأة الأولى.
{وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (8) }
وَالتَّبَتُّلُ الِانْقِطَاعُ. وَهُوَ تَفَعُّلٌ مِنَ الْبَتْلِ وَهُوَ الْقَطْعُ.
وَسُمِّيَتْ مَرْيَمُ عَلَيْهَا السَّلَامُ الْبَتُولَ لِانْقِطَاعِهَا عَنِ الْأَزْوَاجِ، وَعَنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا نُظَرَاءُ مِنْ نِسَاءِ زَمَانِهَا. فَفَاقَتْ نِسَاءَ الزَّمَانِ شَرَفًا وَفَضْلًا. وَقُطِعَتْ مِنْهُنَّ.
وَمَصْدَرُ بَتَّلَ تَبَتُّلًا كَالتَّعَلُّمِ وَالتَّفَهُّمِ، وَلَكِنْ جَاءَ عَلَى التَّفْعِيلِ - مَصْدَرُ تَفَعَّلَ - لِسِرٍّ لِطَيْفٍ.
فَإِنَّ فِي هَذَا الْفِعْلِ إِيذَانًا بِالتَّدْرِيجِ وَالتَّكَلُّفِ وَالتَّعَمُّلِ وَالتَّكَثُّرِ وَالْمُبَالَغَةِ.
فَأَتَى بِالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَبِالْمَصْدَرِ الدَّالِّ عَلَى الْآخَرِ. فَكَأَنَّهُ قِيلَ: بَتِّلْ نَفْسَكَ إِلَى اللَّهِ تَبْتِيلًا، وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبَتُّلًا. فَفُهِمَ الْمَعْنَيَانِ مِنَ الْفِعْلِ وَمَصْدَرِهِ. وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ. وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ الِاخْتِصَارِ وَالْإِيجَازِ.