* الملاحظ في هذه الآية (أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) قدّم إرادة الشر على إرادة الرشد فلماذا هذا النسق؟
جرى في السورة ذكر ما يفعله أهل الأرض من الشرور من الجن والإنس ذكر جملة من الشرور فاستحقوا التهديد وإنزال الشر بهم، تقدم الآية قوله تعالى (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا(4) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5 ) ) لكن تبيّن أنهم يقولون الإنس والجن تقول على الله كذباً، (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا(6 ) ) هذا من الشرور، (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا(7 ) ) هذا إنكار للحشر فاستحقوا تقديم إرادة الشرّ.
* من خلال الآيات التي تفضلت بها الآن نلحظ لفظ الجلالة (الله) ولكن في هذه الآية (أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) قال (ربهم) فما دلالة لفظ ربهم في الآية؟
ذكرنا في أكثر من مناسبة أن الرب هو المربي والقيم على الأمر والرازق والهادي ورب الشخص عادة يريد له هدايته وصلاحه وخيره والشخص إذا أصابه سوء أو فزع فزع إلى مالك الأمر والقائم عليه إذن رب الجماعة يريد لهم الخير هذا من ناحية ناسب ذكر الربّ. لكن هنالك في الحقيقة أمر في القرآن الكريم لم يرد إسناد فعل إرادة السوء أو الضر (أراد أو أريد) إلى الرب وإنما تسند إلى الله، فعل الإرادة. مثلاً لم يرد (أراد ربهم أن يهلكهم) مثلاً يقول (قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا(17) المائدة) لم يقل ربهم، (وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ(11) الرعد) لم يقل الرب (قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا(17) الأحزاب) (أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً) الله تعالى ينسب إلى نفسه الرحمة والرشد وينسب إن أراد السوء والضر إن أراد. لكن فعل الإرادة بالذات لا يأتي إلا مع الله لا يأتي مع الرب وإذا أتى يأتي في السوء والضر. (