وقال أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
"الأرْضُ كُلهَا مَسْجِدٌ إِلا الْمَقبَرَةَ وَالْحَمامَ".
رواه الإمام أحمد وأهل السنن الأربعة، وصححه أبو حاتم بن حبان.
وأبلغ من هذا: أنه نهي عن الصلاة إلى القبر، فلا يكون القبر بين المصلي وبين القبلة.
فروى مسلم في صحيحه عن أبي مرثد الغنوى رحمه الله أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال:
"لا تجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ وَلا تُصَلوا إِلَيْهَا".
وفي هذا إبطال قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، فهذا أبعد شيء عن مقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو باطل من عدة أوجه:
منها: أن الأحاديث كلها ليس فيها فرق بين المقبرة الحديثة والمنبوشة، كما يقوله المعللون بالنجاسة.
ومنها: أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد. ومعلوم قطعاً أن هذا ليس لأجل النجاسة. فإن ذلك لا يختص بقبور الأنبياء، ولأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع، وليس للنجاسة عليها طريق ألبتة، فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم فهم في قبورهم طريون.
ومنها: أنه نهي عن الصلاة إليها.
ومنها: أنه أخبر أن الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام. ولو كان ذلك لأجل النجاسة لكان ذكر الحشوش والمجازر ونحوها أولى من ذكر القبور.
ومنها: أن موضع مسجده صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان مقبرة للمشركين، فنبش قبورهم وسواها واتخذه مسجداً: ولم ينقل ذلك التراب، بل سوى الأرض ومهدها وصلى فيه، كما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك قال:
"لَمّا قَدِمَ النبيُّ صلى الله تعالى عليه وآلهِ وسلم المدِينَة فَنزَلَ بأَعْلَى المدِينَةِ في حَيّ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرو بْنِ عَوْفٍ، فأَقَامَ النّبيُّ صلى اللهُ تعالى عليهِ وآله وسلمَ فيهِمْ أَرْبَعَ عَشَرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلى مَلاء بَنىِ النَّجَّارِ، فَجَاءُوا مُتَقَلدِي السُّيُوفَ، وَكَأَنى أَنْظُرُ إِلى النبي صلّى اللهُ عليْه وسلّم عَلَى رَاحِلَتهِ، وأبو بكر رِدفَهُ، ومَلأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ، حتى أَلْقَى بِفناءِ أبي أَيُّوبَ."