ثم إن الذي يسمع ذلك العبد الفاضي وهو يقول إن"الله ليس مصدر الضلال"سيتساءل على الفور: فكيف تؤمنون إذن بما يقوله كتابكم المقدس عن الرب الذي ندم على خلق البشر وعزم على استئصالهم؟ ولماذا لم يفكر في هدايتهم بدل هذا القرار الاستئصالي الذي لن يأتي رغم ذلك بالنتيجة المرجوة لأن البشر لن يتغيروا؟ والمضحك في الأمر أن الرب، الذي يعرف هذا جيداً، قد أخذ احتياطه (حسب كلام الكتاب المقدس نفسه) حتى لا ينسى مرة أخرى في غمرة ندمه على خَلْق البشر فيُغْرقهم بالطوفان كما فعل من قبل، إذ لجأ إلى وسيلة تذكّره إذا سها، ألا وهي إنه عند سقوط المطر يَظْهَر قوس قزح، فإذا رآه تنّبه فلم يرسل عليهم الطوفان.
وما دام العبد الفاضي قد فهم أن الله ليس مصدر الضلال، فَبِمَ يا ترى يفسّر غيره هذا الرب ذاته من آدم لمعرفته الخير والشر مثله كما جاء في الكتاب المقدس، فأخرجه لذلك من الجنة إلى الأرض وما فيها من تعبٍ وهمً؟ وما السر يا ترى في حقد ذلك الرب على البشر حين رآهم شعباً واحداً ذا لغة واحدة فبلبل السنتهم وشتّت شملهم وبدّدهم في الأرض تبديداً؟ وإذا كان نوح، كما يقول العبد الفاضي، باراً كاملاً في أجياله، فكيف ياترى كان يسكر على النحو الذي رأيناه ويلعن حفيده ويدعو عليه بالعبودية دون ذنب جناه ذلك الحفيد المسكين؟ من هنا فإننا لاندري لأي سبب"نال نوح حظوة في عينى الرب". إن سفر"التموين"لا يذكر لنا شيئاً يستحق أن ينال لأجله الحظوة الإلهية دون سائر البرية!
ولقد لعن المسيحُ نفسُه شجرةَ تين حسبما هو مكتوب في الأناجيل لا لشيء سوى إنه لم يجد فيها تيناً لأن الموسم لم يكن موسم تين. فما وجه الغرابة إذن أن يدعو نوح على الظالمين من قومه بأن يزيدهم الله ضلالاً، أي بألا يعطيهم سبحانه فرصة أخرى بعد أن استنفذوا كل الفرض على مدى مئات السنين التي ظل يدعوهم فيها إلى الله عبثاً فأصرّوا على ما هم فيه من ضلال؟ ما وجه الغرابة في هذا أيها التعيس؟. انتهى انتهى {عصمةُ القرآنِ الكريمِ وجهالاتُ الْمُبَشِّرِينَ، للدكتور/ إبراهيم عوض} ...