13 -وبعد أن أدبهم الأدب الخلقي بطلبه منهم تهذيب نفوسهم واتباعهم مكارم الأخلاق ... شرع يؤدِّبهم الأدب العلمي بدراسة التشريح وعلم النفس ودراسة أحوال العوالم العلوية والسفليّة، فقال: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) } ، إنكار لأن يكون لهم سبب ما في عدم رجائهم لله تعالى وقارًا على أن الرجاء بمعنى الاعتقاد. والوقار: العظمة. و {ما} للإستفهام الإنكاري التوبيخي في محل الرفع مبتدأ، و {لكم} خبرها، و {لَا تَرْجُونَ} حال من ضمير المخاطبين، والعامل فيها معنى الاستقرار في {لَكُمْ} ، و {لِلَّهِ} متعلق بمحذوف وقع حالًا من {وَقَارًا} ، ولو تأخر لكان صفة له.
والمعنى: أيُّ سبب حصل لكم واستقر لكم حال كونكم غير معتقدين لله عظمةً موجبة لتعظيمه بالإيمان والطاعة له؟ أي: لا سبب لكم في هذا مع تحقق مضمون الجملة الحالية. ومن استعمال الرجاء بمعنى الخوف قول الهذيل: إذا لسعته النحل لم يرج لسعها. وقال سعيد بن جبير، وأبو العالية، وعطاء بن أبي رباح: ما لكم ترجون لله ثوابًا، ولا تخافون منه عقابًا. وقال مجاهد والضحاك: ما لكم لا تبالون لله عظمةً. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ما لكم لا تخشون منه عقابًا، ولا ترجون منه ثوابًا بتوقيركم إيّاه.
14 -وجملة قوله: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) } في محل النصب على الحال من الجلالة؛ أي: والحال أنه سبحانه وتعالى قد خلقكم على أطوار مختلفة وصفات متفاوتة وحالات متنوّعة. والطور في اللغة: المرة، وقال ابن الأنباري: الطور: الحال، ويقال: فعل كذا طورًا بعد طور أي: تارة بعد تارة.
والمعنى: والحال أنكم على حالة منافية لما أنتم عليه بالكلية، وهي أنكم تعلمون أنه تعالى خلقكم وقدركم تارات؛ أي: مرّات حالًا بعد حال عناصر ثمّ أغذيةً ثم أخلاطًا ثم نطفًا ثم علقًا ثم مضغًا ثم عظامًا ولحومًا ثم أنشأكم خلقًا آخر. فإنّ التقصير في توقير مَنْ هذه شؤونه في القدرة القاهرة الإحسان التامّ مع العلم بها مما لا يكاد يصدر عن العاقل.