ولما كان إعراضهم عما ينفعهم أقبح ، ذكر ما يتسبب عن الإجابة بالإيمان فقال: {لتغفر لهم} أي ليؤمنوا فتمحو ما فرطوا فيه في حقك فأفرطوا لأجله في التجاوز في الحدود محواً بالغاً فلا يبقى لشيء من ذلك عيناً ولا أثراً حتى لا تعاقبهم عليه ولا تعاتبهم {جعلوا} أي في كل دعاء ، ودل على مبالغتهم في التصامم بالتعبير بالكل عن البعض فقال: {أصابعهم} كراهة له واحتقاراً للداعي {في آذانهم} حقيقة لئلا يسمعون الدعاء إشارة إلى أنا لا نريد أن نسمع ذلك منك ، فإن أبيت إلا الدعاء فإنا لا نسمع لسد أسماعنا ، ودلوا على الإفراط في كراهة الدعاء بما ترجم عنه قوله: {واستغشوا ثيابهم} أي أوجدوا التغطية لرؤوسهم بثيابهم إيجاد من هو طالب لذلك شديد الرغبة فيه حتى يجمعوا بين ما يمنع السماع لكلامه والنظر إليه إظهاراً لكراهته وكراهة كلامه ، وهكذا حال النصحاء مع من ينصحونه دائماً {وأصروا} أي داموا على سوء أعمالهم دواماً هم في غاية الإقبال عليه ، من أصر الحمار على العانة - إذا صر أذنيه وأقبل عليها يطردها ويكدمها ، استعير للإقبال على المعاصي وملازمتها لأنه يكون بغاية الرغبة كأن فاعله حمار وحش قد ثارت شهوته {واستكبروا} أي أوجدوا الكبر طالبين له راغبين فيه ، وأكد ذلك بقوله: {استكباراً} تنبيهاً على أن فعلهم منابذ للحكمة ، فكان مما ينبغي أن لا يفعلوه فهو مما لا يكاد يصدق لذلك ، وقد نادت هذه الآيات بالتصريح في غير موضع بأنهم عصوا نوحاً عليه الصلاة والسلام وخالفوه مخالفة لا أقبح منها ظاهراً بتعطيل الأسماع والأبصار ، وباطناً بالإصرار والاستكبار ولم يوافقوه بقول ولا فعل ، فلعنة الله عليهم وعلى من يقول: إنهم وافقوه بالفعل ، لأنه دعاهم للمغفرة وقد غطوا وجوههم ، والتغطية هي الغفر ونحو ذلك من الخرافات التي لو سمعها أسخف عباد الحجارة الذين لا أسخف منهم لهزؤوا بقائلها ، وما قال هذا القائل ذلك إلا تحريفاً لكتاب الله بنحو تحريف