والطباق الموجود بين"هاتا وتلك"في بيت أبي تمام وإن كانا واقعًا بين مفردين، إلا أنه لا تضاد بين لفظين، ولكن التضاد بين القرب المدلول عليه باسم الإشارة"هاتا"وبين البعد المدلول عليه باسم الإشارة"تلك"، وكذلك لا ترى تضادًّا ظاهرًا بين القصاص والحياة، وإنما التضاد بين الحياة والموت.
ولكن لما كان القصاص هنا يؤدي إلى الموت؛ ولأن القصاص الذي ورد في آية البقرة قصاص قتل وليس قصاص جراح، كان هناك طباق نفي بين القصاص والحياة، ومن الطباق الخفي ما ذكره ابن أبي الإصبع في قوله: فقد يقع في الطباق ما هو معنوي كقوله تعالى: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} (يس 15، 16) إذ معناه: ربنا يعلم إنا لصادقون، فالرد على مكذبيهم بأسلوب القصر: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} بقولهم: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} ينقض التهمة من أساسها، ويقوضها؛ لأن أساس الرسالة الأول هو الصدق، فإثبات الرسالة لإنسان يعني إثبات الصدق له، فالرسالة والصدق أمران متلازمان، ومن هنا فُهم معنى الصدق من قولهم: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} .
{وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) }
ويتجلى مثل هذه الصورة من المجاز في قول الله تعالى على لسان نوح - عليه السلام - يدعو على قومه، وقد أعنتوه في الدعوة: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} (نوح: 26، 27) .