قال الزمخشريّ: الصحة والرزق والمدّ في العمر ، إحسان من الله وإفضال ، يوجب عليهم الشكر والطاعة ، ولكنهم يجعلونه سبباً في الكفر باختيارهم ، فلما تدرجوا به إلى الهلاك ، وصف النعم بالاستدراج . وقيل: كم من مستدرج بالإحسان إليه ، وكم من مفتون بالثناء عليه ، وكم من مغرور بالستر عليه . وسمى إحسانه وتمكينه كيداً ، كما سماه استدراجاً ، لكونه في صورة الكيد ، حيث كان سبباً للتورط في الهلكة . ووصفه بالمتانة لقوة أثر إحسانه في التسبب للهلاك .
{أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ * أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ} [46 - 47]
{أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً} أي: على ما أتيتهم به من النصيحة ، ودعوتهم إليه من الحق .
{فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ} أي: من عزة ذلك الأجر مثقلون ، أي: أثقلهم الأداء ، فتحاموا لذلك قبول نصيحتك ، وتجنبوا الدخول فيما دعوتهم إليه . والمعنى: لم تطلب منهم على الهداية والتعليم أجراً فيثقل عليهم حمله حتى يثبطهم عن الإيمان . {أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ} أي: منه ما يحكمون به ، فيجادلونك بما فيه ، ويزعمون أنهم على كفرهم بربهم أفضل منزلة عند الله من أهل الإيمان به ، وأنهم مستغنون عن وحيه وتنزيله .
{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [48 - 50]