{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} وهو إمهالهم ، وتأخير ظهورك عليهم ، أي: لا يثنينك عن تبليغ ما أمرت به أذاهم وتكذيبهم ، بل امض صابراً عليه {وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ} يعني: يونس عليه السلام {إِذْ نَادَى} أي: دعا ربه في بطن الحوت {وَهُوَ مَكْظُومٌ} أي: مملوء غيظاً وغمّاً . والمعنى: لا يوجدْ منك ما وجد منه من الضجر والونَى عن التبليغ ، فتبتلى ببلائه . {لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ} وهو قبول توبته ورحمته ، تضرعه وابتهاله {لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ} قال الزمخشريّ: يعني أن حاله كانت على خلاف الذم حين نبذ بالعراء ، ولولا توبته لكانت حاله على الذم . والعراء: الفضاء من الأرض .
{فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ} أي: برحمته . قال القاشاني: لمكان سلامة فطرته ، وبقاء نور استعداده ، وعدم رسوخ الهيئة الغضبية ، والتوبة عن فرطات النفس ، فقربه تعالى إليه {فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} أي: لمقام النبوة والرسالة .
{وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ} قال الزمخشريّ: يعني أنهم من شدة تحديقهم ، ونظرهم إليك شزراً ، بعيون العداوة والبغضاء ، يكادون يزلون قدمك ، أو يهلكونك ، من قولهم: نظر إلي نظراً يكاد يصرعني ، ويكاد يأكلني ، أي: لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل ، لفعله . قال:
يتقارضون إذا التقوا في موطن نظراً يُزِلّ مواطئ الأقدام
وأنشد ابن عباس - وقد مرّ بأقوام حددوا النظر إليه -
نظروا إليّ بأعين محمرةٍ نظر التيوس إلى شِفَارِ الجازر
وبيّن تعالى أن هذا النظر كان يشتد منهم في حال قراءة النبي صلىالله عليه وسلم للقرآن ، وهو قوله: {لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ} أي: القرآن ، معاداة لحكمته . {وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} أي: من الهذيان الذي يهذي به في جنونه ، لعدم تمالك أنفسهم من الحسد منه ، والتنفير عنه .