{يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى} [الفرقان: 22] ، ثم إنه يرى الناس يدعون إلى الصلوات إذا حضرت أوقاتها ، وهو لا يستطيع الصلاة ؛ لأنه الوقت الذي لا ينفع نفساً إيمانها ، وإما حال الهرم والمرض والعجز . وقد كانوا قبل ذلك يدعون إلى السجود ، وهم سالمون مما بهم الآن ، إما من الشدة النازلة بهم من هول ما عاينوا عند الموت ، أو من العجز والهرم . ونظير هذه الآية قوله {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ} [الواقعة: 83] انتهى .
قال الرازيّ: واعلم أنه لا نزاع في أنه يمكن حمل اللفظ على ما قاله أبو مسلم ، فأما قوله: إنه لا يمكن حمله على القيامة ، بسبب أن الأمر بالسجود حاصل هاهنا ، والتكاليف زائلة يوم القيامة ، فجوابه: أن ذلك لا يكون على سبيل التكليف ، بل على سبيل التقريع والتخجيل ، فلم قلتم إن ذلك غير جائز ؟ ثم تأثر تعالى تخويفهم بعظمة يوم القيامة ، بترهيبهم بما عنده وفي قدرته ، من القهر ، فقال سبحانه:
{فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [44]
{فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ} أي: كِله إليّ فإني أكفيكه ، وهذا من بليغ الكناية ، كأنه يقول: حسبك انتقاماً منه أن تكل أمره إليّ ، وتخلّي بيني وبينه ، فإني عالم بما يجب أن يفعل به ، قادر على ذلك .
{سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: سنكيدهم بالإمهال وإدامة الصحة ، وزيادة النعم ، من حيث لا يعلمون أنه استدراج ، وسبب لهلاكهم ، يقال: استدرجه إلى كذا ، أي: استنزله إليه درجة فدرجة ، حتى يورطه فيه .
{وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [45]
{وَأُمْلِي لَهُمْ} أي: أمهلهم وأُنْسئُ في آجالهم ملاوةً من الزمان ، لتكمل حجة الله عليهم .
{إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} أي: كيدي بأهل الكفر شديد قويّ .