لما جرى نفي أن تكون لهم مطالعة الغيب من الملأ الأعْلى إبطالاً لمقالاتهم في شؤون الربوبية أعقب ذلك بإبطال نسبتهم لله بنات استقصاء لإِبطال أوهامهم في المغيبات من العالم العلوي ، فهذه الجملة معترض بين جملة {أم لهم سلم} [الطور: 38] وجملة {أم تسألهم أجراً} [الطور: 40] ، ويقدر الاستفهام إنكاراً لأن يكون لله البنات.
ودليل الإِنكار في نفس الأمر استحالة الولد على الله تعالى ولكن لمَّا كانت عقول أكثر المخاطبين بهذا الرد غيرَ مستعدة لإِدراك دليل الاستحالة ، وكان اعتقادهم البنات لله منكراً ، تُصدِّيَ لدليل الإِبطال وسُلِك في إبطاله دليل إقناعي يتفطنون به إلى خطل رأيهم وهو قوله: {ولكم البنون} .
فجملة {ولكم البنون} في موضع الحال من ضمير الغائب ، أي كيف يكون لله البنات في حال أن لكم بنين وهم يعلمون أن صنف الذكور أشرف من صنف الإِناث على الجملة كما أشار إليه قوله تعالى: {ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذاً قسمة ضيزى} [النجم: 21 ، 22] .
فهذا مبالغة في تشنيع قولهم فليس المراد أنهم لو نسَبوا لله البنين لكان قولهم مقبولاً لأنهم لم يقولوا ذلك فلا طائل تحت إبطاله.
وتغيير أسلوب الغيبة المتبع ابتداء من قوله: {أم يقولون شاعر} [الطور: 30] إلى أسلوب الخطاب التفات مكافحة لهم بالرد بجملة الحال.
وتقديم {لكم} على {البنون} لإِفادة الاختصاص ، أي لكم البنون دونه فهم لهم بنون وبنات ، وزعموا أن الله ليس له إلا البنات.
وأما تقديم المجرور على المبتدأ في قوله: {أم له البنات} فللاهتمام باسم الجلالة وقد أنهي الكلام بالفاصلة لأنه غرض مستقل.
أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (40)