وليس قوله: {إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين} بمشير إلى قوله في الآية الأخرى {فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام} [هود: 65] ونحوه لأن ذلك الأمر مستعمل في الإِنذار والتأييس من النجاة بعد ثلاثة أيام فلا يكون لقوله بعده: {فعتوا عن أمر ربهم} مناسبة لتعقيبه به بالفاء لأن الترْتيب الذي تفيده الفاء يقتضي أن ما بعدها مرتب في الوجود على ما قبلها.
والعتوّ: الكِبر والشدة.
وضمن"عَتَوْا"معنى: أَعرضوا ، فعدي بـ (عن) ، أي فأعرضوا عما أمرهم الله على لسان رسوله صالح عليه السلام.
وأخذ الصاعقة إياهم إصابتها إياهم إصابة تشبه أخذ العدوّ عدوه.
وجملة {وهم ينظرون} حال من ضمير النصْب في {أخذتهم} ، أي أخذتهم في حال نظرهم إلى نزولها ، لأنهم لما رأوا بوارقها الشديدة علموا أنها غير معتادة فاستشرفوا ينظرون إلى السحاب فنزلت عليهم الصاعقة وهم ينظرون ، وذلك هول عظيم زيادة في العذاب فإن النظر إلى النقمة يزيد صاحبها ألماً كما أن النظر إلى النعمة يزيد المنعم مسرّة ، قال تعالى: {وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون} [البقرة: 50] .
وقرأ الكسائي {الصعقة} بدون ألف.
وقوله: {فما استطاعوا من قيام} تفريع على {وهم ينظرون} ، أي فما استطاعوا أن يدفعوا ذلك حين رؤيتِهم بوادرَه.
فالقيام مجاز للدفاع كما يقال: هذا أمر لا يقوم له أحد ، أي لا يدفعه أحد.
وفي الحديث"غَضِب غضباً لا يقوم له أحد"أي فما استطاعوا أيّ دفاع لذلك.
وقوله: {وما كانوا منتصرين} أي لم ينصرهم ناصر حتى يكونوا منتصرين لأن انتصر مطاوع نصر ، أي ما نصرهم أحد فانتصروا.
وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (46)
قرأ الجمهور {وقوم} بالنصب بتقدير (اذكر) ، أو بفعل محذوف يدلّ عليه ما ذكر من القصص قبله ، تقديره: وأهلكنا قوم نوح ، وهذا من عطف الجُمل وليس من عطف المفردات.