قوله تعالى: {فمنكم كافر ومنكم مؤمن} [التغابن] هو إشارة إلى أنه سيبدأ بذكر الكافرين ثم بذكر المؤمنين بعدهم، فقد قال بعد هذه الآية: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ 5} ثم قال بعد ذلك: {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ 9} ولا يناقض هذا ما ذكرناه في تعليل التقديم بأنه جرى بحسب الكثرة، إذ ربما كان أكثر من ملحظ للتقديم والتأخير، فقد تعاضد على ذلك أمران كلاهما يقتضي التقديم وهو تعاضد فني رائع.
ومن ذلك تقديم لفظ (الضر) على (النفع) وبالعكس، قالوا: حيث تقدم النفع على الضر فلتقدم ما يتضمن النفع، قال تعالى: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ} [الأعراف:188] فقدم النفع على الضرر، وذلك لأنه تقدمه في قوله: {مَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ 178} وبعد ذلك قال: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ 188} فقدم الخير على السوء، ولذا قدم النفع على الضر إذ هو مناسب للسياق.