وجعلوا منه تقدم السمع على العلم حيث وقع في القرآن الكريم كقوله تعالى: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) } [البقرة] وقوله: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) } [الأنفال] وذلك أنه خبر يتضمن التخويف والتهديد، فبدأ بالسمع لتعلقه كالأصوات وهمس الحركات فإن من سمع حسك وخفي صوتك أقرب إليك في العادة ممن يقال لك: إنه يعلم وإن كان علمه تعالى متعلقاً بما ظهر وبطن وواقعاً على ما قرب وشطن، ولكن ذكر السميع أوقع في باب التخويف من ذكر العليم فهو أولى بالتقديم.
ويمكن أن يقال: إن السمع من وسائل العلم فهو يسبقه.
وجعلوا منه أيضاً تقديم المغفرة على الرحمة نحو قوله: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) } [البقرة] في آيات كثيرة وقوله: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) } [النساء] .
قالوا: سبب تقديم الغفور على الرحيم أن المغفرة سلامة والرحمة غنيمة والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة، وإنما تأخرت في سورة سبأ في قوله {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2) } فالرحمة شملتهم جميعاً والمغفرة تخص بعضاً، والعموم قبل الخصوص بالرتبة.
ولإيضاح ذلك أن جميع الخلائق من الإنس والجن والحيوان وغيرهم محتاجون إلى رحمته، فهي برحمته تحيا وتعيش، وبرحمته تتراحم، وأما المغفرة فتخص المكلفين فالرحمة أعمّ.
التدرج من القلة للكثرة كما في قوله تعالى: {أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} فالطائفون أقل من العاكفين، لأن الطواف لا يكون إلا حول الكعبة، والطواف يكون في المساجد عموما، والعاكفون أقل من الراكعين، لأن الركوع -أي الصلاة- تكون في كل أرض طاهرة، وأما العكوف فلا يكون إلا في المساجد، والراكعون أقل من الساجدين، لأن لكل ركعة سجدتين.