وتنظر في الحروف التي تشترك في معنى ثم ينفرد كل واحد منهما بخصوصية في ذلك المعنى، نحو أن تجيء بـ"ما"في نفي الحال، وبـ"لا"إذا أردت نفي الاستقبال، وبـ"أن"فيما يتردد بين أن يكون وبين أن لا يكون، وبـ"إذا"إذا علم أنه كائن.
وتنظر في الجمل فتعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل ثم تعرف فيما حقه الوصل موضع"الواو"من موضع"الفاء"وموضع الفاء"من موضع"أو"وموضع"لكن"من موضع"بل"."
وتتصرف في التعريف والتنكير والتقديم والتأخير في الكلام وفي الحذف والتكرار والإضمار والإظهار فتصيب بكل ذلك مكانه وتستعمله على الوجه الذي ينبغي له.
يدل لذلك أنهم وصفوا قول الفرزدق:
وما مثلُهُ في النّاسِ إِلا مُمَلَّكاً ... أبُو أمَّهِ حَيٌّ أبوهُ يقاربُه
بفساد النظم وسوء التأليف.
فعليك أن تراعي أحوال التأليف بين المفردات والجمل حتى تكون أجزاء الكلام بعضها آخذا بأعناق بعض، فيقوى بذلك الارتباط، ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم الأجزاء، ومن الأمثلة الرائقة في ذلك قول بعض العرب:
فغنها وهي لك الفداء إن غناء الإبل الحداء
فالرابط بين الجملتين"إنّ"ولو سقطت لاختل النظم إلا أن تأتي بالفاء، وليس الإتيان بالفاء يصح في كل موضع تحل فيه"إنّ"فإِنك قد تراها قد دخلت على الجملةِ ليست هي مما يَقْتضي الفاء، كما في قولهِ تعالى: {إنَّ المُتَّقينَ في مَقامٍ أَمِينٍ. في جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} وذاكَ أنَّ قبله {إنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ} ومعلومٌ أنك لو قُلت:"إنّ هذا ما كنتُم به تَمْترون فالمُتَّقونَ في جناتٍ وعيونٍ"لم يكن كلاما.
وكذلك قولُه: {إِنَّ الذينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الحُسْنَى أُولئك عَنْها مُبْعَدُون} لأنك لو قلت: {لَهُمْ فيها زَفيرٌ وهُمْ فيها لا يَسْمعُون} "فالذين سَبَقتْ لهم منَّا الحسنى"لم تجدْ لإِدخالِك الفاء فيه وجهاً.