وبهذا نُدرك استخدام الأسلوب القرآني (ألم تَرَ) في مخاطبة المتلقي وهي كما قال المفسرون بمعنى (ألم تعلم) فلِمَ استخدم الفعل (ترى) دون (تعلم) مع أنه بمعناه؟
يبدو أن الزمخشري أوّل من تنبه لهذا فقال:".... والمعنى: أنك رأيت آثار فعلِ الله بالحبشة، وسمعت الأخبار به متواترة فقامت لك مقام المشاهدة".
غير أن الشيخ الشعراوي كان أدق من فصّل ذلك قائلاً: إن العلم قد تكون له وسيلة أخرى غير الرواية بأن يكون مخبراً به من أحد ... ولكن الخبر من الحق سبحانه وتعالى خبر وصل في مرتبة اليقين إلى مرتبة أنك ترى.
وهذا مما ينصب في حسية التعبير.
الباب الثاني:
في مراعاة أحوال التأليف (النظم)
اختلف الأدباء في اللفظ والمعنى: في أيهما تكمن البلاغة وأيهما المقدم على الآخر، فمنهم من غالى في المعنى واعتبره الأساس، وألغى دور اللفظ في البلاغة وهم"الأسلوبيون"منهم: ابن رشيق القيرواني، وابن الأثير الجزري.
ومنهم من غالى في اللفظ واعتبره هو الأساس، وألغى دور المعنى في البلاغة، وهم"اللفظيون"منهم: الجاحظ وابن سنان الخفاجي وابن خلدون.
ولما جاء الشيخ عبد القاهر أخذ على اللفظيين غلوهم في الألفاظ على حساب المعاني، كما أخذ على الأسلوبيين غلوهم في المعاني على حساب الألفاظ، وأنقص قيمة كل من الألفاظ والمعاني معا، واعتمد"النظم"مكانهما (1) وصاغ منه نظرية متكاملة.
ورغم روعة كلام الإمام عبد القاهر حول النظم القرآني إلا أنه يؤخذ عليه غلوه في النظم على حساب الألفاظ والمعاني، وهذا هو أهم نقد وجهه بعضهم لنظريته حول النظم.
نظرية النظم:
النظم هو: مراعاة أحوال التأليف، الذي يعني توخي معاني النحو فيما بين الكلم.
أي أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأصوله، وذلك بأن تنظر في وجوه كل باب وفروقه فتنظر في الخبر إلى الوجوه التي تراها في قولك:"زيد منطلق"، و"زيد ينطلق".