فالحكم ليس جائراً وحسب، وإنما هو غريب في العقل والمنطق - أن ينسب العبد مالا يرضى لنفسه إلى ربه - لذلك استعملت (ضيزى) والتي تعني القسمة الجائرة أو غير العادلة، ولم تستعمل هاتان الكلمتان، لهذه الزيادة في إيحاء (ضيزى) فكانت غرابة اللفظ أشد الأشياء ملائمة لغرابة هذه القسمة التي أنكرها، والعرب يعرفون هذا الضرب في الكلام وله نظائر في لغتهم، وكم من لفظةٍ غريبةٍ عندهم لا تحسن إلا في موضعها ولا يكون حسنها على غرابتها إلا أنها تؤكد المعنى الذي سيقت إليه بلفظها.
ج - الإيحاء النابع من دقة التصوير الحركي:
المفردة القرآنية قد تختار لتصوير الحركة بدقة كما في قوله تعالى: {فراغ إلى أهله} [الذاريات:26]
"فراغ"هنا أعطت للنص إيحاءاً وبعداً جديدين، ذلك أنها فضلاً عن تصويرها ذهاب إبراهيم عليه السلام صدرت حركته بدقة ما بعدها نظير من غير أن يكون ذلك لمجرد مُتعةٍ أدبية في التصوير، وإنما هي الدقة مقرونةً بالصدق الإخباري مع تحقيق ملحظٍ اجتماعي هنا.
ومعنى"فراغ"ذهب إليهم في خفيةٍ من ضيوفه، ومن أدب المضيف أن يُخفي أمره وأن يبادره بالقِرى من غير أن يشعر به الضيف حذراً من أن يكفه ويعذره"."
وكذلك في قوله تعالى: {والصبح إذا تنفس} [التكوير:18] فاختيار لفظة (تنفس) للدقة في رسم المشهد الحركي هنا، إذ إن خروج النور فجراً أشبه ما يكون بحركة النفس الذي ينساب بلا صوت متتابعاً فيكون بذلك أشبه الأشياء بخروج النفس شيئاً فشيئاً.
د - الإيحاء النابع من وصف خاص:
فقد يصف القرآن الشيء وصفاً خاصاً ليدلل من خلال إيحاء هذا الوصف على دلالة تنصب في إغناء الدلالة العامة للسياق كما في قوله تعالى: {وفاكهة وأبّا} [عبس:31]
فالأبّ هو"المرعى المتهيء للرعي والجز، من قولهم: أبَّ لكذا أي: تهيأ، في حين ذهب الزمخشري إلى أن"الأبّ"هو المرعى، لأنه يؤَبُّ أي يؤمّ وينتجع."