كما تأتي (ما) و (إلا) فيما ينزل منزلة المنكر نحو: {قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} فالبشرية معلومة لكن جاء الكلام بـ (إن) و (إلا) دون (إنما) لأن الكفار جعلوا الرسل كأنهم بادعائهم النبوة قد أخرجوا أنفسهم عن أن يكونوا بشرا مثلهم، ولما كان كذلك أخرج اللفظ مخرجه عندما يراد إثبات أمر يدفعه المخاطب ويدعي خلافه.
وكذلك الأمر في قوله تعالى: {إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ} جاء بالنفي والإثبات لمبالغته- صلى الله عليه وسلم - في الإنذار بحيث يُظن أنه يملك تحويل قلوب الكفار إلى الإسلام، فهذا الخطاب جعل المخاطب بمنزلة من ظن أنه يملك ذلك ولا يعلم أنه ليس في وسعه إلا الإنذار والتحذير فأخرج اللفظ مخرجه فقال: {إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ} .
المبحث السادس
همزة الاستفهام
1 -تقديم الاسم وتقديم الفعل الماضي مع همزة الاستفهام:
إذا ولي الاسم همزة الاستفهام فقلت: (أأنت بنيت هذه الدار) كان الشك في الفاعل من هو؟ لأنه إذا لم تكن الدار موجودة كيف يقع الشك في بانيها.
فإذا قلت: (أبنيت هذه الدار) لم يكن كلاما صحيحا، إذ هو بمنزلة أن تقول في الشيء المشاهد: أموجود هو أم لا.
وإذا ولي الهمزة الفعل الماضي فقلت: (أبنيت الدار) كان الشك في الفعل، وكان الغرض من الاستفهام معرفة وجوده.
2 -تقديم الفعل وتقديم الاسم والفعل مضارع في الاستفهام:
إذا قلت:"أتفعل"و"أأنت تفعل"لم يخل من أن تريد الحال أو الاستقبال.
فإن أردت الحال كان المعنى شبيها بما مضى في الماضي، فإِذا قلتَ: أتفعلُ كان المعنى على أنك أردتَ أن تقررَه بفعلٍ هو يفعلُه وكنتَ كمن يُوهِم أنه لا يعلمُ بالحقيقةِ أنَّ الفعلَ كائن.
وإِذا قلتَ:"أأنتَ تفعل"كان المعنى على أنك تريدُ أن تقررَه بأنه الفاعل، وكان أمْرُ الفعل في وجودِه ظاهراً وبحيث لا يُحتاج إِلى الإِقرارِ بأنه كائن.