وكقوله تعالى: {فإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنّي بَرِئٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} وقولِه تعالى: {قُلْ إنّي نُهيْتُ أنْ أَعْبُدَ الذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله} وقولِهِ: {وَقلْ إنّي أَنا النَّذيرُ المُبِينُ} وأشباهِ ذلك مما يُعلمُ به أنه كلامٌ أُمِرَ النبيُّ بأن يجيبُ به الكفارَ في بعضِ ما جادلوا وناظَروا فيه، وعلى ذلكَ قولُه تعالى: {فَأَتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنَّا رَسُولُ رَبِّ العَالَمِينَ} وذاك أنَّه يعلَمُ أنَّ المعنى: فأْتياهُ، فإذا قال لكما ما شأْنُكما وما جاءَ بكما وما تقولان فقولا: إنَّا رسولُ ربِّ العالمينَ.
المبحث الخامس
(إنما)
وهنا مسائل:
1 -إفادة"إنما"القصر:
وضعت (إنما) لإفادة القصر، وتعريفه: تخصيص الحكم بالمذكور في الكلام ونفيه عن سواه بطرق مخصوصة.
ومن هذه الطرق (إنما) نحو:"إنما يفوز المُجِدّ"فقد خص الفوز بالمجد بطريق مخصوصة وهي هنا"إنما".
ومنه قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [فاطر:28] وقوله تعالى: {قل إنما العلم عند الله} ويسمى المخصوص مقصورا، والمخصوص به مقصورا عليه.
2 -مجيء"إنما"فيما لا يجهله المخاطب:
تجيء (إنما) فيما لا يجهله المخاطب كقولهم:"إنما هو أخوك"تنبيها لما يلزمه من حق الأخوة، ومثالُه منَ التنزيلِ قولُه تعالى: {إنَّما يستجيبُ الذينَ يَسْمَعونَ}
وقولُه تعالى: {إنما تُنذِرُ مَنِ اتَّبعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بالغيبِ}
وقولُه تعالى: {إنَّما أنتَ مُنذِرُ مَنْ يخشاها} .
كلُّ ذلكَ تذكير بأمْر ثابت معلوم، وذلك أنَّ كل عاقل يعلم أنه لا تكون استجابة إلاّ ممَّن يسمع ويعقل ما يقال له ويُدعى إليه، وأنّ من لم يسمعْ ولم يعقل لم يستجِب.
وكذلك معلوم أَنَّ الإنذار إنما يكون إنذاراً ويكون له تأثير إذا كان مع من يؤمن بالله ويخشاه ويصدّقُ بالبعث والساعة، فأما الكافر الجاهل فالإنذار وعدمه معه واحد.