قوله: {إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} : متعلقٌ ب"خَلَقْتُ". واخْتُلف في الجن والإِنس: هل المرادُ بهم العمومُ ، والمعنى: إلاَّ لأمْرِهم بالعبادة ، ولِيقِرُّوا بها؟ وهذا منقولٌ عن عليّ ، أو يكون المعنى: ليطيعونِ وينقادوا لقضائي ، فالمؤمنُ يفعل ذلك طَوْعاً والكافرُ كَرْهاً ، أو يكون المعنى: إلاَّ مُعَدِّين للعبادة . ثم منهم منْ يتأتَّى منه ذلك ، ومنهم مَنْ لا كقولك: هذا القلمُ بَرَيْتُه للكتابة ، ثم قد تكتب به وقد لا تكتب ، أو المرادُ بهم الخصوص . والمعنى: وما خلقتُ الجنَّ والإِنس المؤمنين . وقيل: الطائعين . والأولُ أحسن .
مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57)
قوله: {أَن يُطْعِمُونِ} : قيل: فيه حَذْفُ مضافٍ ، أي: يُطعموا خَلْقي . وقيل: المعنى أَنْ ينفعونِ ، فعبَّر ببعضِ وجوه الانتفاعات ؛ لأنَّ عادةَ السادة أَنْ ينتفعوا بعبيدِهم ، واللَّهُ سبحانه وتعالى مُسْتَغْنٍ عن ذلك .
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)
قوله: {المتين} : العامَّةُ على رفعِه . وفيه أوجهٌ: إمَّا النعتُ للرزَّاق ، وإمَّا النعتُ ل"ذو"، وإمَّا النعتُ لاسم"إنَّ"على الموضع ، وهو مذهبُ الجَرْميِّ والفراءِ وغيرِهما ، وإمَّا خبرٌ بعد خبرٍ ، وإمَّا خبرُ مبتدأ مضمرٍ . وعلى كل تقدير فهو تأكيدٌ لأن"ذو القوة"يُفيد فائدتَه . وقرأ ابن محيصن"الرازق"كما قرأ"وَفِي السمآء رازِقُكُمْ"كما تقدَّم . وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش"المتينِ"بالجر فقيل: صفة للقوة ، وإنما ذَكَّر وصفَها لكونِ تأنيثها غيرَ حقيقي . وقيل: لأنها في معنى الأَيْد . وقال ابن جني:"هو خفضٌ على الجوارِ كقولِهم:"هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ"يعني أنه صفةٌ للمرفوع ، وإنما جُرَّ لَمَّا جاور مجروراً . وهذا مرجوحٌ لإِمكانِ غيرِه ، والجِوارُ لا يُصار إليه إلاَّ عند الحاجة ."