وقال على - رضي الله عنه -: أي: وما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بعبادتي قال - تعالى - وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ.
وقيل: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ أي: إلا ليقروا لي بالعبادة طوعا أو كرها.
ويبدو لنا أن أرجح هذه الأقوال هو ما أشرنا إليه أولا، من أن معنى الآية الكريمة، أن الله - تعالى - قد خلق الثقلين لعبادته وطاعته، ولكن منهم من أطاعه - سبحانه - ، ومنهم من عصاه. لاستحواذ الشيطان عليه.
قال الإمام ابن كثير بعد أن ذكر جملة من الأقوال: ومعنى الآية أنه - تعالى - خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب.
وفي الحديث القدسي: قال الله - عز وجل - «يا ابن آدم، تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا، ولم أسد فقرك ... » .
وفي بعض الكتب الإلهية. يقول الله - تعالى - «يا ابن آدم، خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب، فاطلبنى تجدني. فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء» .
ثم بين - سبحانه - أنه غنى عن العالمين فقال: ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ أي: ما أريد منهم منفعة أو رزقا كما يريد الناس بعضهم من بعض .. وما أريد منهم طعاما ولا شرابا، فأنا الذي أطعم ولا أطعم كما قال - سبحانه -: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا، فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ.
قال الآلوسي: والآية لبيان أن شأنه - تعالى - مع عباده ليس كشأن السادة مع عبيدهم، لأنهم إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم وأرزاقهم، ومالك العبيد نفى أن يكون ملكه إياهم لذلك، فكأنه - سبحانه - يقول: ما أريد أن أستعين بهم، كما يستعين ملاك العبيد بعبيدهم، فليشتغلوا بما خلقوا له من عبادتي.