وقوله: إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ تعليل للأمر بالفرار، أي: أسرعوا إلى طاعة الله - تعالى - إنى لكم من عقابه المعد لمن يصر على معصيته نذير بيّن الإنذار.
ثم أكد - سبحانه - هذا الإنذار، ونهى عن التقاعس فقال: وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ أي: واحذروا أن تجعلوا مع الله - تعالى - إلها آخر، في العبادة أو الطاعة إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ - سبحانه - نَذِيرٌ مُبِينٌ.
فالآية الأولى كان التعليل فيها للأمر بالفرار إلى الله - تعالى - والثانية كان التعليل فيها للنهى عن الإشراك به - سبحانه - .
وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة، قد بينت جانبا من الدلائل على قدرة الله - تعالى - وأمرت الناس بإخلاص العبادة لله، ونهت عن الإشراك به.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، ببيان مواقف الأقوام من رسلهم، وببيان الوظيفة التي أوجد الله - تعالى - الناس من أجلها فقال:
[سورة الذاريات (51) : الآيات 52 إلى 60]
(كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ(52)
وقوله: كَذلِكَ خبر لمبتدأ محذوف. أي: الأمر كذلك، واسم الإشارة مشار به إلى الكلام الذي سيتلوه، إذ أن ما بعده وهو قوله: ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ تفسير له. أي: الأمر - أيها الرسول الكريم - كما نخبرك، من أنه ما أتى الأقوام الذين قبل قومك من رسول يدعوهم إلى عبادتنا وطاعتنا، إلا وقالوا له - كما قال قومك في شأنك - هو - ساحر أو مجنون.
والمقصود بالآية الكريمة تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من مشركي قريش، حيث بين له - سبحانه - أن الرسل السابقين قد كذبتهم أممهم، فصبروا حتى أتاهم نصره - سبحانه - .
ثم أضاف - سبحانه - إلى هذه التسلية تسلية أخرى فقال: أَتَواصَوْا بِهِ؟
والضمير المجرور يعود إلى القول المذكور، والاستفهام للتعجيب من أحوالهم. أي: أوصى السابقون اللاحقين أن يقولوا لكل رسول يأتيهم من ربهم. أنت - أيها الرسول - ساحر أو مجنون؟