وعذبهم بألطف الأشياء عذبهم بالريح، الهواء اللطيف الذي لا تحس بملمسه، وإن كان قوياً بأن يدفع كل شيء، وهو أقوى من الماء كما هو معروف، وهذا الهواء اللطيف أهلك به هؤلاء القوم الذين يقولون: من أشد منا قوة، أهلكهم به، فالحاصل أن الله أحكم الحاكمين حكمه نافذ صادر عن قوة وسلطان، ثم إن أحكم الحاكمين تضمن أيضاً حسن الحكم، فصار حكم الله - عز وجل - يتضمن أنه الحاكم في العباد، وأنه الحاكم بين العباد، وأن حكمه أحسن الأحكام، وأنه تعالى أحكم الحاكمين، والحكمة البالغة لله ولا شيء من الأفعال القائمة بالوجود أحكم من حكمة الله، وإذا آمنت بهذا أيها المؤمن سهل عليك أمور كثيرة تشكل على كثير من الناس، منها بعض الأحكام الشرعية لا يدرك الناس، أو أكثرهم، أو بعضهم حكمتها، فهل نقول: إذا لم يدرك الحكمة إنه لا حكمة لها، أو نقول: إن لها حكمة، لكن عقولنا قاصرة، نقول: لها حكمة ولكن عقولنا قاصرة، وإذا آمنا هذا الإيمان اطمأننا إلى كثير من الأمور الشرعية التي تخفى علينا حكمتها، فنحن لا ندرك
الحكمة في كون الصلوات الخمس خمساً، أو أنها سبع عشرة ركعة، وأشياء كثيرة من الأمور الشرعية لا يدرك الإنسان حكمتها، لكن إذا آمنت أن الله حكيم آمنت بأنه لابد لهذا الشيء من حكمة تقتضيه، كذلك في الأمور القدرية قد يرسل الله سبحانه وتعالى عذاباً يشمل الصالح والطالح، وقد يرسل الله عذاباً على قوم لا تتوقع أن يصيبهم العذاب، فهل تقول: ما الحكمة؟ أو تقول: إن الله عز وجل لابد أن يكون تقديره لهذا عن حكمة؟ ولذلك أقول: إن الواجب علينا فيما أمر الله به من الشرائع، وفيما قضاه من الأقدار أن نستسلم غاية التسليم، وأن لا نعترض قال الله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} .