وفي البحر: (أو) للتفصيل، أي: قال بعضهم: هو ساحر، وقال بعض: هو مجنون، وقال بعض: هو ساحر ومجنون، فجمع القائلون في الضمير، ودلَّت (أو) على التفصيل.
واستشكلت الآية بأن قوله - تعالى: (إلاَّ قالوا) يدل على أَن الّذين من قبلهم كلهم كذبوا مع أنه ما من رسول إلا آمن به قوم، وأجاب الإِمام بأن إسناد القول إلى ضمير الجمع على إرادة الكثير بل الأكثر، وذكر المكذب فقط؛ لأنه الأوفق بغرض التسلية.
53 - (أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) :
المعنى: أتواصى الأوَّلون والآخرون بهذا القول؟ أي: أوصى بعضهم بعضًا بهذا القول حتى قالوه جميعًا متفقين عليه؟
وهؤلاء وأولئك لم يتواصوا به في الحقيقة؛ لأنهم لم يلتقوا في زمن واحد بل هم قوم طغاة متجاوزون للحدّ خارجون عن طاعة الله تشابهت قلوبهم. فقال متأخرهم كما قال متقدمهم، جمعهم المقصد الواحد وتلاقوا في الطَّعن علي الرسل، والحامل لهم على هذا القول هو الطغيان والعناد والتَّمرُّد والتكذيب لرسالات السماء.
والضمير في (به) للقول السابق، ومقصود الاستفهام في (أتواصوا به) التعجيب من إجماعهم على هذا القول الكاذب.
54 - (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ) :
أي: فأعرض - يا محمد - عن جدال هؤلاء المعاندين فقد كَرّرت عليهم الدعوة ولم تأل جهدًا في البيان فلم يستجيبوا، وعرفت منهم العناد واللَّجاج فلا لوم عليك في إعراضك بعد ما بلَّغت الرسالة وأديت الأمانة وبذلت مجهودك في التبليغ والدعوة، وما أنت بملوم على عدم استجابتهم إن عليك إلاَّ البلاغ، وإنما أنت منذر. وقد فعلت.
55 - (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) :
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقى في الشُّعَب وجماعة من طريق مجاهد عن عليّ - كرّم الله وجهه - قال: لما نزلت (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ) لم يبق منا أحد إلاَّ أيقن بالهلكة إذ أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أَن يتولَّى عنّا، فنزلت (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) فطابت أنفسنا.