وقال الضحاك ، والفراء ، وابن قتيبة: هذا خاصّ لأهل طاعته ، وهذا اختيار القاضي أبي يعلى فإنه قال: معنى هذا الخصوصُ لا العمومُ ، لأن البُله والأطفال والمجانين لا يدخُلون تحت الخطاب وإن كانوا من الإنس ، فكذلك الكُفَّار يخرُجون من هذا بدليل قوله: {ولقد ذرأْنا لجهنَّم كثيراً من الجِنِّ والإنس} [الأعراف: 179] ، فمن خُلق للشَّقاء ولجهنَّم ، لم يخلق للعبادة.
والرابع: إلا ليخضعوا إليَّ ويتذللَّوا.
ومعنى العبادة في اللغة: الذُّلُّ والانقياد.
وكُلُّ الخلْق خاضعٌ ذليلٌ لقضاء الله عز وجل لا يملك خُروجاً عمّا قضاه اللهُ عز وجل ، هذا مذهب جماعة من أهل المعاني.
قوله تعالى: {ما أُريدُ منهم من رِزْقٍ} أي: ما أُريدُ أن يرزُقوا أنفسهم {وما أُريدُ أن يُطْعِموني} أي: أن يُطْعِموا أحداً من خَلْقي ، لأنِّي أنا الرَّزّاق.
وإنما أسند الإطعام إلى نفسه ، لأن الخلق عيالُ الله ، ومن أطعمَ عِيالَ أحد فقد أطعمه.
وقد جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"يقول اللهُ عز وجل يوم القيامة: يا ابن آدم: استطعمتُكَ فلم تُطْعِمْني"، اي: لم تُطْعِم عبدي.
فأما {الرَّزّاق} فقرأ الضحاك ، وابن محيصن:"الرّازق"بوزن"العالِم".
قال الخطابي: هو المتكفِّل بالرِّزق القائمُ على كل نَفْس بما يُقيمها من قُوتها.
{والمتينُ} الشديد القُوَّة الذي لا تنقطع قُوَّته ولا يَلحقه في أفعاله مَشقَّة.
وقد روى قتيبة عن الكسائي أنه قرأ:"المتينِ"بكسر النون.
وكذا قرأ أبو رزين ، وقتادة ، وأبو العالية ، والأعمش.
قال الزجاج: {ذو القوَّة المتينِ} أي: ذو الاقتدار الشديد ، ومن رفع"المتين"فهو صفة الله عز وجل ، ومن خفضه جعله صفة للقُوة ، لأن تأنيث القُوَّة كتأنيث المُوعظة ، فهو كقوله: {فمن جاءه مَوعِظةٌ من ربِّه} [البقرة: 275] .