هذه كلها آياتٌ من آياتِ الخَلْق، وهي كثيرة وممتدة، ففي كل مرحلة من مراحلها إعجازٌ وقدرة، بدايةً من اللقاء بين الزوج والزوجة والتقاء الحيوان المنوي الذكري بالبويضة الأنثوية، فإنْ تمَّ تخصيب البويضة حدث الحمل وتحوَّل الدم في غذاء للجنين فهو رزقه حتى يُولد، وإن لم يحدث الحمل نزل هذا الدم في فترة الحيْض.
وهذا يعني أن الخالق سبحانه حين يخلق الإنسانَ يخلق معه رزقه، فالجنينُ لا يتغذَّى بغذاء أمه إنما بغذائه الخاص، بدليل أن الأم لا تستفيد بهذا الدم إنْ لم يحدث حمل.
وقوله سبحانه: {ءَايَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 4] من اليقين وهو الإيمان والعقيدة الراسخة التي استقرتْ في القلب، بحيث لا يتطرق إليها شك، وبحيث لا تطفو إلى العقل ليناقشها مرة أخرى، فهي عقيدة يعني القلب معقود عليها.
وسبق أنْ بيَّنا هذه المسألة بأن الحواسَّ تنقل المحسَّات والقضايا إلى العقل الذي يُفاضل بينها ويُغربلها، فما اقتنع به استقرَّ في القلب عقيدةً ومبدأ يسير عليه ويؤمن به بحيث لا يطفو للعقل مرة أخرى.
هذا اليقين درجاتٌ أولها علم اليقين، وعين اليقين، ثم حَقُّ اليقين، فعلم اليقين حين يُخبرك بالخبر صادقٌ لا تشكّ في صِدْقه، وعين اليقين حين تراه بعينك، وحَقُّ اليقين هو أنْ تباشره بنفسك.
وقلتُ: أننا ذهبنا مرة إلى إندونيسيا، ورأينا هناك أصبع الموز قرابة نصف المتر، فلما عُدْتُ أخبرتُ أولادي بذلك، فصار عندهم علم بذلك لأنهم يثقون بي ويعرفون أنِّي لا أكذب.
فلما رأيتُهم مندهشين من الخبر فتحت (الشنطة) وأخرجتُ منها أصابع الموز، فلما رأوْها صار عندهم عَيْنُ اليقين بهذه القضية، لكن لعله شيء آخر غير الموز أو نموذج من مادة أخرى، فأخذنا الموز وقطَّعناه وأكلنا منه فتحوَّلت المسألة إلى حق اليقين.
وهذه المراحل الثلاث ذُكِرَتْ في القرآن الكريم في سورة التكاثر:
{كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} [التكاثر: 5 - 7] وفي سورة الواقعة:
{إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 95 - 96] .
{وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ءَايَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}