وقد قالوا إن لِبَنان كل إنسان هيئة خاصة لا تماثلها هيئة إنسان آخر من كل وجه. ولهذا تراهم يلزمون الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب أن يوقع بإبهامه في الأمور الرسمية علماً منهم أن إبهامه لا يماثله إبهام شخص آخر ولا يمكنه فيه ادعاء التزوير.
ولعل القرآن خص البنان بالذكر في قوله: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} لهذه الحكمة، ولعل فيه حكماً أخرى، ولقد تعرض المفسرون لشيء منها.
ولا بأس أن نذكر لك هنا ما يروى عن أبي حنيفة مما يناسب هذا المقام: يقال إنه جاء جماعة من الدهرية لأبي حنيفة - رضي الله عنه - .
وطلبوا منه دليلاً على وجود الله - عز وجل - ، فقال: ما تقولون في خشب قطع من الأشجار بلا نجار، واجتمع من تلقاء نفسه ثم كون سفينة تجرى في البحر، وهي مشحونة بالأحمال مملوءة من الأثقال، فقد احتوشها في لجة أمواج متلاطمة ورياح مختلفة، وهي مع ذلك كله تجرى مستوية ليس لها ملاح يجريها ولا متعهد يرعاها؟!
فهل يجوز ذلك في العقل؟ قلاوا: لا، هذا شيء لا يقبله العقل. فقال أبو حنيفة: يا سبحان الله! إذا لم يجز في العقل سفينة تجري في البحر مستوية من غير متعهد يرعاها ولا ربان يدبر أمرها، فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها وشتت أعمالها وسعة أطرافها وتباين أكنافها من غير صانع يكلؤها وحكيم يدبرها؟! فاعترفوا جميعاً وقالوا: صدقت.
وقد اشير إلى هذا الدليل الذي يذكر عن أبي حنيفة في القرآن الشريف حيث يقول: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ}