فها أنت ذا ترى الحياة العامة شاملة لا تتوقف على حال من الأحوال فلا يصد عنها بر ولا بحر ولا هواء ولا رخاوة في الجسم ولا عدم الرأس ولا فقد الفقرات، ولا قلة الحواس.
ثم انظر بعد هذا تجد حيوانات يقتلها الأكسوجين وتعيش تحت التراب، أو نقول لا يمكنها أن تعيش في الهواء الخالص، وحيوانات لا تعيش إلا في الهواء كالطيور، وأخرى لا تعيش إلا في الماء كالأسماك.
فسبحان القادر على كل شيء {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} {أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} "سُبْحَانَك لَا نُحْصِى ثَنَاء عَلَيْك انْت كَمَا أَثْنِيَن عَلَى نَفْسِك".
وإن شئت أقرب من ذلك كله فانظر إلى نفسك وما فيها من عجائب الصنع وبدائع الخلقه، وما اشتملت عليه من الأسرار الظاهرة والباطنة وقد قالوا قديما:"نظرك فيك يكفيك".
ولنقل كلمة إجمالية جداً عن بعض ما في الإنسان:
إن في الجسم الإنساني أكثر من مائتى عظم، ولكل منها شكل مخصوص يناسب ما نيط به وما خلق لأجله، ولولا ذلك لتعطلت حركاتنا التي نأتيها كل وقت وساعة. ثم انظر كيف خلق لك الكبد والمعدة والرئتين والكليتين إلخ. إلخ، وكيف ناط كل واحد منها بعمل مخصوص، ثم أوجد لك الفم وأنبت فيه الأسنان المختلفة ليقع بها الهضم الأول، ثم جعل لك غطاء يغطى مجرى النفس عند البلع، وجعل لك مجرى مخصوصاً للطعام والشراب وآخر للنفس، وجعل للمعدة بابين للدخول والخروج، وأمعاء دقيقة وأمعاء غليظة، ثم جعل سبيلين بعد ذلك لإخراج الفضلات التي لو بقيت في الإنسان لأهلكته.