فأمرنا أن نقول: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ، فذكر الهدايةَ والنعمة، وهما الهدى والفلاح.
ثمَّ قال: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} ، فذكر المغضوبَ عليهم وهم أهلُ الشقاء، والضَّالِّين وهم أهلُ الضلال، وكلُّ من الطائفتين له الضَّلالُ والشقاء، لكنْ ذَكَر الوصفين معًا لتكونَ الدَّلالةُ على كلٍّ منهما بصريح لفظِه.
وأيضًا؛ فإنَّه ذكر ما هو أظهرُ الوصفين في كلِّ طائفة، فإنَّ الغضب على اليهود أظهر؛ لعنادهم الحقَّ بعد معرفته، والضلال في النصارى أظهر؛ لغلبة الجهل فيهم، وقد صحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:"اليهودُ مغضوبٌ عليهم، والنصارى ضالُّون".
فصل
وقولُه تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى} هو خطابٌ لمن أهبطه من الجنة بقوله: {اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} . ثم قال: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى} .
وكلا الخطابين لأبوي الثَّقلين.
وهو دليلٌ على أنَّ الجنَّ مأمورون منهيُّون، داخلون تحت شرائع الأنبياء، وهذا مما لا خلاف فيه بين الأمَّة، وأنَّ نبينا - صلى الله عليه وسلم - بُعِثَ إليهم كما بُعِثَ إلى الإنس، كما لا خلاف بينها أنَّ مسيئهم مستحقٌ للعقاب. وإنما اختلف علماءُ الإِسلام في المسلم منهم: هل يدخل الجنة؟
فالجمهورُ على أنَّ محسنهم في الجنة، كما أن مسيئهم في النار.
وقيل: بل ثوابهم سلامتُهم من الجحيم، وأمَّا الجنة فلا يدخلُها أحدٌ من أولاد إبليس، وإنما هي لآدم وصالحي ذريته خاصَّة. وحُكِيَ هذا القولُ عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
واحتجَّ الأولون بوجوه:
أحدها: هذه الآية؛ فإنَّه سبحانه أخبر أنَّ من اتبعَ هداه فلا يخافُ ولا
يحزن، ولا يضلُّ ولا يشقى، وهذا مستلزمٌ لكمال النعيم.
ولا يقال: إنَّ الآية إنما تدلُّ على نفي العذاب فقط، ولا خلافَ أنَّ مؤمنيهم لا يعاقبون؛ لأنَّا نقول: لو لم تدلَّ الآيةُ إلا على أمرٍ عدميٍّ فقط لم يكن مدحًا لمؤمني الإنس، ولمَا كان فيها إلا مجردُ أمرٍ عدميٍّ، وهو عدمُ الخوف والحزن.