وهذا أمرٌ يعلمُه غالبُ الناس، أنَّ القلبَ متى حصلَ له ما يُفْرِحُه ويسرُّه من نيل مطلوبه، ووصال حبيبه، أو ما يغمُّه ويسوؤه ويحزنُه، شُغِل عن الطعام والشراب، حتى إنَّ كثيرًا من العشَّاق تمرُّ به الأيامُ لا يأكلُ شيئًا، ولا تطلبُ نفسه أكلًا.
وقد أفصح القائلُ في هذا المعنى:
لها أحاديثُ مِنْ ذكراكَ تَشْغَلُها ... عن الشَّرابِ وتُلْهِيها عن الزّادِ
لها بوجهكَ نورٌ تستضيءُ به ... ومِنْ حديثك في أعقابها حادِي
إذا اْشْتكَتْ مِنْ كَلالِ السَّيْرِ أوعدها ... رَوْحَ القُدومِ فتحيا عند ميعادِ
والمقصودُ أنَّ الهدى مستلزمٌ لسعادة الدُّنيا، وطِيب الحياة، والنعيم العاجل، وهو أمرٌ يشهدُ به الحِسُّ والوَجْد، وأما سعادةُ الآخرة فغيبٌ يُعْلَمُ بالإيمان، فذكرها ابنُ عباسٍ - رضي الله عنهما - لكونها أهمَّ، وهي الغايةُ المطلوبة، وضلالُ الدُّنيا أظهر، وبالنجاة منه ينجو من كلِّ شرٍّ، وهو أصلُ ضلال الآخرة وشقائها، فلذلك ذكره وحده. والله أعلم.
فصل
وهذان الأصلان - أعني: الضلال والشَّقاء - يذكرهما سبحانه كثيرًا في كلامه، ويخبرُ أنهما حظُّ أعدائه، ويذكرُ ضدَّهما - وهما: الهدى والفلاح - كثيرًا، ويخبرُ أنهما حظُّ أوليائه.
أما الأوّل؛ فكقوله تعالي: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} [القمر: 47] ، فالضلالُ الضلال، والسُّعُر هو الشقاءُ والعذاب، وقال تعالى {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [يونس: 45] .
وأما الثاني؛ فكقوله تعالى في أول"البقرة"- وقد ذكر المؤمنين وصفاتهم: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ، وكذلك في أول"لقمان"، وقال في"الأنعام": {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82] .
ولما كانت سورةُ أمِّ القرآن أعظمَ سورةٍ في القرآن، وأفرضَها قراءةً على الأمَّة، وأجمَعها لكلِّ ما يحتاجُ إليه العبد، وأعمَّها نفعًا = ذكَر فيها الأمرين: