وقد أخذ العلماء من هذه الآية شاهدا على أن الأشياء التي فيها منافع مأذون فيها حتى يقوم دليل على حرمتها.
ثم استدل - سبحانه - على مظاهر قدرته بخلق السماوات فقال:
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
استوى إلى السماء: أقبل وعمد إليها بإرادته. وتسويتها معناه: تعديل خلقها وتقويمه.
والسماء ليس المراد منها فردا من أفراد السماوات، وإنما المراد منها الأجرام العلوية الشاملة لجميع السماوات، فصح أن يعود عليها ضمير جمع الإناث في قوله: فَسَوَّاهُنَّ، وكذلك علماء البيان يزيدون أن اللفظ إذا أريد منه جنس ما وضع له صار في معنى الجمع.
فمعنى ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ علا إليها وارتفع، من غير تكييف ولا تحديد ولا تشبيه، مع كما التنزيه عن سمات المحدثات، وقد سئل الإمام مالك عن الاستواء على العرش فقال.
الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وقدم الأرض هنا لأنها أدل لشدة الملابسة والمباشرة.
وجملة ثُمَّ اسْتَوى معطوفة على جملة (خلق لكم) ، وكان العطف بثم لعظم خلق السماء عن خلق الأرض.
وعبر بسواهن للإشعار بأنه - سبحانه - خلقهن في استقامة، واستقامة الخلق هي انتظامه على وجه لا خلل فيه ولا اضطراب. قال - تعالى:
ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ.
وجملة وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ مقررة لما ذكر قبلها من خلق السماوات والأرض وما فيهما على هذه الصورة الحكيمة، فقد دلت على أن ترتيب أجزاء تلك المصنوعات وموافقة جميعها للمنافع المقصودة منها، إنما حدث عن عالم بحقائق تلك الأجزاء وخواصها، ولإحاطته بكل شيء علما وضع كل جزء في موضعه اللائق به. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لـ طنطاوي. 1/ 82 - 90} ...