وقيل في الآية الأخرى: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا} [الإسراء: 72] ، فأخبر أنَّ من كان في هذه الدَّار ضالًّا فهو في الآخرة أضلُّ.
وأمَّا نفيُ شقاء الدُّنيا، فقد يقال: إنه لما انتفى عنه الضلالُ فيها، وحصلَ له الهدى، والهدى فيه مِن بَرْدِ اليقين، وطمأنينة القلب، وذَوْقِ طعم الإيمان، وَوَجْدِ حلاوته، وفرحة القلب به، وسروره، والتنعُّم به، ومصير القلب حيًّا بالإيمان، مستنيرًا به، قويًّا به، قد نال به غذاءه ودواءه، وشفاءه وحياته، ونورَه وقوَّته، ولذَّتَه ونعيمَه = ما هو أجلُّ أنواع النعيم، وأطيبُ الطيبات، وأعظمُ اللذات.
قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] ، فهذا خبرُ أصدق الصادقين، ومَخْبَرُه عند أهله عينُ اليقين، بل حقُّ اليقين؛ فلا بدَّ لكلِّ من عمل صالحًا وهو مؤمنٌ أن يُحْيِيَه اللهُ حياةً طيبةً بحسب إيمانه وعمله.
ولكن يغلطُ الجفاةُ الأجلافُ في مسمَّى الحياة الطيِّبة، حيث يظنُّونها التنعُّمَ بأنواع المآكل والمشارب والملابس والمناكح، أو لذةَ الرياسة والمال وقهر الأعداء والتفنُّن بأنواع الشهوات؛ ولا ريب أنَّ هذه لذةٌ مشتركةٌ بين
البهائم، بل قد يكونُ حظُّ كثير من البهائم منها أكثر من حظِّ الإنسان؛ فمن لم يكن عنده لذةٌ إلا اللذةُ التي تشاركهُ فيها السِّباعُ والدوابُّ والأنعامُ فذلك ممن يُنادى من مكانٍ بعيد.
ولكن أين هذه اللذةُ من اللذة بأمرٍ إذا خالط بشاشتُه القلوبَ سَلا عن الأبناء والنساء، والأوطان والأموال، والإخوان والمساكن، ورضي بتركها كلِّها والخروج منها رأسًا، وعرَّض نفسَه لأنواع المكاره والمشاقِّ، وهو متحملٌ لهذا، منشرحُ المصدر به، يطيبُ له قتلُ ابنه وأبيه وصاحبته وأخيه، لا تأخذُه في ذلك لومة لائم.
حتى إنَّ أحدَهم ليتلقَّى الرمحَ بصدره وهو يقول:"فزتُ وربِّ الكعبة".