فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 36270 من 466147

وتمامُ تحقيق هذا في مسألة تعليل الحكم الواحد بعلَّتين؛ وللناس فيه نزاعٌ مشهور، وفصلُ الخطاب فيها: أنَّ الحكمَ الواحدَ إن كان واحدًا بالنَّوع، كحِلِّ الدَّم، وثبوتِ الملك، ونقض الطَّهارة؛ جاز تعليلُه بالعلل المختلفة. وإن كان واحدًا بالعَيْن، كحِلِّ الدَّم بالردَّة، وثبوت الملك بالبيع أو الميراث، ونحو ذلك؛ لم يجُز تعليلُه بعلَّتين مختلفتين. وبهذا التفصيل يزولُ الاشتباه في هذه المسألة، والله أعلم.

ومن تأمَّل أدلَّة الطَّائفتين وجدَ كلَّ ما احتجَّ به من رأى تعليلَ الحكم بعللٍ مختلفةٍ إنما يدلُّ على تعليل الواحد بالنَّوع بها، وكلُّ من نفى تعليلَ الحكم بعلَّتين إنما يتمُّ دليلُه على نفي تعليل الواحد بالعَيْن بهما؛ فالقولان عند التحقيق يرجعان إلى شيءٍ واحد.

والمقصودُ أنَّ الله سبحانه جعل اتباعَ هداه وعَهْده الذي عَهِدَه إلى آدم سببًا ومقتضيًا لعدم الخوف والحزن، والضلال والشقاء، وهذا الجزاءُ ثابتٌ بثبوت الشرط، مُنْتَفٍ بانتفائه، كما تقدَّم بيانُه.

ونفيُ الخوف والحزن عن متَّبع الهدى نفيٌ لجميع أنواع الشرور؛ فإنَّ المكروهَ الذي ينزلُ بالعبد متى عَلِمَ بحصوله فهو خائفٌ منه أن يقع به، وإذا وقع به فهو حزينٌ على ما أصابه منه، فهو دائمًا في خوفٍ وحزن، فكلُّ خائفٍ حزينٌ، وكلُّ حزينٍ خائفٌ، وكلٌّ من الخوف والحزن يكونُ على فوت المحبوب وحصول المكروه.

فالأقسامُ أربعة: خوفٌ من فَوْت المحبوب وحصول المكروه، وحزنٌ على فَوْت المحبوب وحصول المكروه، وهذا جماعُ الشرِّ كلِّه.

فنفى الله سبحانه ذلك عن متَّبع هداه الذي أنزله على ألسنة رسله، وأتى في نفي الخوف بالاسم الدَّالِّ على نفي الثبوت واللزوم، فإنَّ أهلَ الجنة لا بدَّ لهم من الخوف في الدنيا، وفي البرزخ، ويوم القيامة حيثُ يقولُ آدمُ وغيره من الأنبياء:"نفسي، نفسي"؛ فأخبر سبحانه أنهم وإن خافوا فلا خوفٌ عليهم، أي: لا يلحقُهم الخوفُ الذي خافوا منه.

وأتى في نفي الحزن بالفعل المضارع الدَّالِّ على نفي التجدُّد

والحدوث، أي: لا يلحقُهم حزنٌ ولا يحدُث لهم إذا تذكَّروا ما سلفَ منهم، بل هم في سرورٍ دائم لا يَعْرِضُ لهم حزنٌ على ما فات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت