وقد أخبر سبحانه أنه خلقه من تراب، وأخبر أنه خلقه من سُلالةٍ من طين، وأخبر أنه خلقه من صلصالٍ من حَمَأٍ مسنون.
والصَّلصال، قيل فيه: هو الطِّينُ اليابسُ الذي له صلصلةٌ ما لم يُطْبَخ، فإذا طُبِخَ فهو فَخَّار. وقيل فيه: هو المتغيِّر الرائحة، من قولهم: صَلَّ، إذا أنتن.
والحمأ: الطِّينُ الأسود المتغيِّر.
والمَسْنُون، قيل: المصبوب، مِن: سَنَنْت الماء، إذا صببته. وقيل: المُنْتِنُ، مِن قولهم: سَنَنْت الحَجَر على الحَجَر، إذا حككته، فإذا سال بينهما شيءٌ فهو سَنِينٌ، ولا يكونُ إلا منتنًا.
وهذه كلُّها أطوارٌ للتراب الذي هو مبدؤه الأول.
كما أخبر عن خلقِ الذرِّية من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، وهذه أحوالُ النطفة التي هي مبدأ الذرِّية.
ولم يُخْبِر سبحانه أنه رفعه من الأرض إلى فوق السموات، لا قبل التَّخليق ولا بعده، وإنما أخبر عن إسجاد الملائكة له، وعن إدخاله الجنة، وما جرى له مع إبليس بعد خلقه، فأخبر سبحانه بالأمور الثلاثة في نَسَقٍ واحد، مرتبطًا بعضُها ببعض.
قالوا: فأين الدليلُ الدَّالُّ على إصعاد مادَّته، وإصعاده بعد خلقه إلى فوق
السموات؟ هذا مما لا دليلَ لكم عليه أصلًا، ولا هو لازم من لوازم ما أخبر اللهُ به.
قالوا: ومن المعلوم أنَّ ما فوق السموات ليس بمكانٍ للطِّين الأرضي، المتغيِّر الرائحة، الذي قد أنتَن من تغيُّره، وإنما محلُّ هذا الأرض التي هي محلُّ المتغيِّرات والفاسدات، وأما ما كان فوق الأفلاك فلا يلحقُه تغيُّرٌ ولا نَتَن، ولا فسادٌ ولا استحالة.
قالوا: وهذا أمرٌ لا يرتابُ فيه العقلاء.
قالوا: وقد قال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) } [هود: 108] ، فأخبَر سبحانه أنَّ هذا العطاءَ في جنة الخُلد غير مقطوع، وما أُعطِيَه آدمُ فقد انقطع؛ فلم تكن تلك جنةَ الخُلد.