دارُ الثواب. والدليلُ عليه: أنَّ الألف واللَّام في لفظ"الجنة"لا يفيدُ العموم؛ لأنَّ سُكنى آدمَ جميعَ الجِنان مُحال، فلا بدَّ من صرفها إلى المعهود السابق، والجنةُ التي هي المعهودةُ المعلومة بين المسلمين هي دارُ الثواب؛ فوَجَب صرفُ اللَّفظ إليها"."
قال:"والقولُ الرابع: أنَّ الكلَّ ممكن، والأدلةُ النقليةُ ضعيفةٌ ومتعارضة؛ فوجبَ التوقُّفُ وتركُ القطع".
قالوا: ونحن لا نقلِّدُ هؤلاء، ولا نعتمدُ على ما حُكِيَ عنهم، والحجةُ الصحيحةُ حَكَمٌ بين المتنازعين.
قالوا: وقد ذكرنا من الأدلَّة على هذا القول ما فيه كفاية.
أمَّا الجوابُ المفصَّل: فنحن نتكلَّم على ما ذكرتم من الحُجَج؛ لينكشفَ وجه الصَّواب، فنقولُ وبالله التوفيق:
أما استدلالُكم بحديث أبي هريرة وحذيفة حين يقولُ الناس لآدم:"استفتِح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم منها إلا خطيئةُ أبيكم؟"؛ فهذا الحديثُ لا يدلُّ على أنَّ الجنةَ التي طلبوا منه أن يستفتحها لهم هي التي أُخرِجَ منها بعينها؛ فإنَّ الجنة اسمُ جنس، فكلُّ بستانٍ يُسمَّى جنة، كما قال تعالى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) } [القلم: 17] ، وقال تعالى: وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ
جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ [الإسراء: 90 - 91] ، وقال تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} [البقرة: 265] ، وقال تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} إلى قوله: {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} [الكهف: 32 - 39] .
فالجنةُ اسمُ جنس؛ فهُم لمَّا طلبوا من آدم أن يستفتحَ لهم جنةَ الخُلد أخبرهم بأنه لا يَحْسُنُ منه أن يُقْدِم على ذلك وقد أخرجَ نفسَه وذريتَه من الجنة التي أسكنه اللهُ إياها بذنبه وخطيئته.