83 -ثم لما فرغ الخليل من الثناء على ربه والاعتراف بنعمته .. عقبَّه بالدعاء؛ ليقتدي به غيره في ذلك، فقال: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا} ؛ أي: علمًا وفهمًا في الدين. وقيل: نبوة ورسالة. وقيل: معرفة بحدود الله تعالى وأحكامه. {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} ؛ أي: بالنبيين من قبلي. وقيل: بأهل الجنة. {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) } ؛ أي: اجعل لي ثناء حسنًا في الآخرين الذين يأتون بعدي إلى يوم القيامة، وقد أعطى الله سبحانه إبراهيم ذلك بقوله: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (78) } فإن كل أمة تتمسك به وتعظِّمه.
وقيل معنى الآية: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا} ؛ أي: كمالًا في العلم والعمل، أستعد به لخلافة الحق ورياسة الخلق، فإن من يعلم شيئًا ولا يأتي من العمل بما يناسب علمه لا يقال له حكيم، ولا لعلمه حكم، ولا حكمة {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} ؛ أي: وفقني من العلوم والأعمال والأخلاق لما ينظمني في زمرة الكاملين الراسخين في الصلاح، المتنزهين عن كبائر الذنوب وصغائرها، أو اجمع بيني وبينهم في الجنة، فقد أجابه تعالى حيث قال: {وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في دعائه:"اللهم أحينا مسلمين، وأمتنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مبدلين".
84 - {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) } ؛ أي: جاهًا وحسن صيت في الدينا يبقى أثره إلى يوم الدين، ولذلك ما من أمة إلّا وهم محبون له، مثنون عليه، فحصل بالأول الجاه، وبالثاني حسن الذكر، فقوله:"في الآخرين"؛ أي: في الأمم بعدي، وعبّر عن الثناء الحسن والقبول العام باللسان؛ لكون اللسان سببًا في ظهوره وانتشاره، وبقاء الذكر الجميل على ألسنة العباد إلى آخر الدهر دولة عظيمة من حيث كونه دليلًا على رضي الله عنه، ومحبته له، والله تعالى إذا أحب عبدًا يلقي محبته إلى أهل السماوات والأرض، فيحبه الخلائق كافة حتى الحيتان في البحر، والطيور في الهواء.