وليس هذا تعللا أيضا بل استدفاع للبلية المتوقعة، وفرق من أن يقتل قبل أداء الرسالة.
وهكذا شكا موسى إلى الله عزّ وجل كل الاحتمالات الصعبة التي يتوقع أن تواجهه.
وهذا يدل على تقدير صحيح منه عليه السلام للموقف الذي يواجهه. ومن ثم فإن كل من يقوم بشأن الدعوة إلى الله عليه أن يقدر الموقف الذي يمكن أن يجابهه، ويطلب من الله العون والله معين،
وقد وعد موسى بالحفظ والدفع عنه: قالَ كَلَّا كلمة ردع لما ستدفعه موسى من بلاء وهم، وهي هاهنا وعد، وعده الدفع بكلمة الردع ليردعه عن الخوف ثم قال: فَاذْهَبا أي أنت وهارون، دل ذلك على أنه استجاب دعاء موسى بالإرسال إلى هارون بِآياتِنا أي مع آياتنا وهي اليد والعصا وغير ذلك، وهذا يفيد أن كل رسول يعطى من الآيات ما به تقوم الحجة إِنَّا مَعَكُمْ أي معكما بالعون والنصرة، ومع من أرسلتما إليه بالعلم والقدرة مُسْتَمِعُونَ أي سامعون
فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ ولم يثن الرسول هنا كما ثناه في سورة
(طه) لأنهما لاتحادهما واتفاقهما على شريعة واحدة كأنهما رسول واحد
أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ قال ابن كثير: أي أطلقهم من إسارك وقبضتك وقهرك، وتعذيبك، فإنهم عباد الله المؤمنون، وحزبه المخلصون، وهم معك في العذاب المهين، فلما قال له موسى ذلك أعرض فرعون هنالك بالكلية، ونظر إليه بعين الازدراء والفحص.
فعند ذلك قالَ فرعون أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً أي ألم تكن صغيرا فربيناك وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وهي الفترة قبل قتله القبطي
وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ أي قتلك القبطي وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ أي الجاحدين. والمعنى: أما أنت الذي ربيناه فينا وفي بيتنا على فراشنا، وأنعمنا عليه مدة من السنين، ثم بعد هذا قابلت ذلك الإحسان بتلك الفعلة، أن قتلت منا رجلا، وجحدت نعمتنا عليك.
والملاحظ أن موسى حدد مطلبا رئيسيا من فرعون، وهو الإذن لبني إسرائيل في الخروج من مصر وهو مطلب سياسي، فقد كان الهدف هو تحرير بني إسرائيل من العبودية، والملاحظ أن فرعون فر من الجواب على هذا المطلب الرئيسي بتذكير موسى بنعمته عليه.