{قال: فأت به إن كنت من الصادقين} ..
إن كنت من الصادقين في دعواك ؛ أو إن كنت من الصادقين في أن لديك شيئاً مبيناً. فهو ما يزال يشكك في موسى ، خيفة أن تترك حجته في نفوس القوم شيئاً.
هنا كشف موسى عن معجزتيه الماديتين ؛ وقد أخرهما حتى بلغ التحدي من فرعون أقصاه:
{فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين. ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين} ..
والتعبير يدل على أن العصا تحولت فعلاً إلى ثعبان تدب فيه الحياة ، وأن يده حين نزعها كانت بيضاء فعلا. يدل على هذا بقوله: {فإذا هي} فلم يكن الأمر تخييلا ، كما هو الحال في السحر الذي لا يغير طبائع الأشياء ، إنما يخيل للحواس بغير الحقيقة.
ومعجزة الحياة التي تدب من حيث لا يعلم البشر ، معجزة تقع في كل لحظة ، ولكن الناس لا يلقون لها بالا ، لطول الألفة والتكرار ، أو لأنهم لا يشهدون التحول على سبيل التحدي فاما في مثل هذا المشهد. وموسى عليه السلام يلقي في وجه فرعون بهاتين الخارقتين فالأمر يزلزل ويرهب.
وقد أحس فرعون بضخامة المعجزة وقوتها ؛ فأسرع يقاومها ويدفعها ؛ وهو يحس ضعف موقفه ، ويكاد يتملق القوم من حوله ؛ ويهيج مخاوفهم من موسى وقومه ، ليغطي على وقع المعجزة المزلزلة:
{قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم ، يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ، فماذا تأمرون؟} ..
وفي قولة فرعون هذه يبدو إقراره بعظمة المعجزة وإن كان يسميها سحراً ؛ فهو يصف صاحبها بأنه ساحر {عليم} . ويبدو ذعره من تأثر القوم بها فهو يغريهم به: {يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره} .
ويبدو تضعضعه وتهاويه وتواضعه للقوم الذين يجعل نفسه لهم إلها ، فيطلب أمرهم ومشورتهم: {فماذا تأمرون؟} ومتى كان فرعون يطلب أمر أتباعه وهم له يسجدون!