قوله تعالى {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً} تقدس بذاته وجلاله عن أن يكون محلا للأرواح والعقول والأسرار وجعل في سماء ذات القدم لأرواح العارفين وأسرار الموحدين وعقول المقربين وقلوب الصديقين أبراجا من أنوار صفاته لتسرى فيها بنعت المعرفة وطلب زوائد علوم الربوبية بنجم الأسرار وسيارات العقول وشموس الأرواح وأقمار القلوب إلى ابد الآباد لا ينقطع سيرها في سناء الصفات وأنوار الذات لأنها غير متناهية وأيضا جعل في سماء القلوب في سائر القلوب بروج المقامات والحالات لشمس الروح واقمار العقل ونجوم الهمم والعزائم قال جعفر بن محمد سمى السّماء سماء لرفعتها والقلب سماء لأنه يسمو بالإيمان والمعرفة بلا حدود النهاية كما أن المعروف لا حد له كذلك المعرفة لا حد لها وبروح السماء مجارى الشمس والقمر وهو الحمل والثور والجوزاء والسرطان والاسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدى والدلو والحوت وفى القلب بروج وهو برج الإيمان والمعرفة والعقل واليقين والسلام والإحسان والتوكل والخوف والرجاء والمحبة والشوق والوله فهذه اثنا عشر برجا بها دوام صلاح القلب كمان أن الاثنى عشر برجا من الحمل والثور إلى اخر العدد صلاح الدار الفانية وأهلها وقال في قوله وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا في السماء سراج الشمس ونور القمر وفى القلب سراج الإيمان والأنوار بالوحدانية والفردانية والصمدية وقمر المعرفة يشرق بأنوار الأزلية والأبدية فيتلألأ نور معرفة وإيمانه على لسانه بالذكر وعلى عينيه بالعبر وعلى جوارحه بالطاعة والخدمة وتلك الأنوار من تمام أولية الله للعبد في الأحوال كلها ثم بين سبحانه يخالف الليل والنهار لاعتبار العارفين وموعظة المريدين بقوله {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً} جعل تعاقب ليالى الفترة وكشوف نهار المشاهدة لزوائد ذكر العارفين وشكر المستانسين قال بعضهم خليفة تخلف أحدهما صاحبه لمن أراد خدمة ربه أو عبادته ثم وصف سبحانه على الوقار من العارفين والمطمئنين من المتمكنين بقوله {وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً}