وإن من فضل اللَّه تعالى وشأنه أن يعامل الأخيار معاملة المختبرين، ولذا قال تعالى: (وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ) إن هنا هي المخففة من الثقيلة، وإنها ضمير الشأن،
والمعنى، وإن الحال والشأن للذات العلية (كُنَّا لمُبْتَلِينَ) ، و (كان) تدل على الدوام واللام واقعة في خبر إن مميزة لها، ومبتلين خبر كنا، وهي اسم فاعل، لَا اسم مفعول، أي إن الحال والشأن أن نعامل الأبرار معاملة المختبرين لكي يعرف خيرهم، ويظهر استحقاقهم للثواب، وإن المخير لَا يأتي عفوا سهلا ميسرا، لَا بد له من من جهاد، وعلى قدر الجهاد يكون الثواب، وكان حقا على محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يجاهد المشركين، ولا ييأس من نصر اللَّه، وللَّه ورسوله الغلبة والعزة.
الرسل بعد نوح لاقوا ما لاقى
قال تعالى:
(ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ(31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (32)
ذكر اللَّه تعالى نبذة صغيرة من قصة نوح عليه السلام مشيرة إلى سائرها الذي ذكر مفصلا في سورة هود، وهي نموذج قرآني لقصة الذين كانوا بين نوح ومحمد - صلى الله عليه وسلم -، من الرسل، في تكذيب أقوامهم، ونوع هذا التكذيب، فهم يحسبون أن الرسول لَا يكون بشرا يأكل مما يأكلون، ويشرب مما يشربون، ويحسبون أنه لَا بعث ولا نشور، وأن الأتباع يكونون من الأقوياء لَا من الضعفاء الأذلين في زعمهم الفاسدين، وفي ذلك بيان أن ما ينزل بمحمد من بلاء الأقوياء المستكبرين هو صور من صور ما لاقاه النبيون من نوح. فعليه الصبر كما صبر أولو العزم من الرسل.
قال تعالى:
(ثُمَّ أَنشَأنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ) .