ولقد استمرت دعوة نوح عليه السلام إلى الحق، واستمر عنادهم، ووصفوه بأنه مجنون، وأنهم ينتظرونه حتى يفيق.
(إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ(25)
(جِنَّةٌ) بكسر الجيم، أي مما هو إلا رجل به جنون (فَتَرَبَّصُوا بِهِ) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي إذا كان به جنون فتربصوا به حتى حين، أي إلى حين
يستفيق ويرشد، والتربص انتظار زوال أمر، أو مجيئه، أي انتظروه حتى يفيق، أو يعرض عن هذه الدعوة.
وكذلك قال قوم محمد - صلى الله عليه وسلم - فقالوا مجنون، وقالوا إن كان الذي يأتيك رئيا من الجن بذلنا من أموالنا ما نكشفه عنك، وهكذا تشابهت أقوال الكفار لأنها تنبع جميعا من نفوس غير مؤمنة، وتشك في القول الحكيم المرشد.
يئس نوح من إيمان قومه أو الأكثرين منهم، وقال له اللَّه تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(36) ، فاتجه إلى ربه ضارعا طالبا النصرة.
(قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ(26)
أي قال: انصرني عليهم لأنهم كذبوني ودفعهم تكذيبهم إلى الفساد، وقال:
(وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا(26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) .
وهنا نجد الفارق بين نوح عليه السلام، وخاتم النبيين محمد - صلى الله عليه وسلم -، فبينما نوح يدعو لهلاك الكافرين من قومه ويخاطب ربه، فيقول: (إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا) ، يقول خاتم النبيين صاحب الرسالة الأخيرة الباقية:"إني لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لَا يشرك به شيئا".
استجاب اللَّه تعالى لدعاء نوح، ودبر له الأمر لينجو نوح ومن آمن معه، وما آمن معه إلا قليل، وقال تعالى: